فهرس الكتاب

الصفحة 14146 من 27345

وعسى من الله- عز وجل - واجبة, وهي من أنبيائه خبر عنه سبحانه وتعالى: { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } ؛ لأنهم أوذوا { قَالُوا أُوذِينَا } ، نعم فإن إرادة الله في كسر الجبارين الطغاة, وفي جبر المنكسرين المستضعفين سنة ماضية نافذة في خلقه سبحانه وتعالى { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } [القصص:4- 6] .

ما بلغ أحد من درجة الاستضعاف ما بلغه فرعون من بني اسرائيل فيما استضعفهم فيه، يقتل الأبناء.. يحصرهم ليس بعد وجودهم على وجه الأرض ولا وهم أطفال ولا وهم بالغون قد التزموا بدين الله، بل يحصرهم قبل ولادتهم.. أي استضعاف أشد من ذلك؟.. يحصر كل امرأة تحمل من بني إسرائيل ويضع لها قيدًا ويعرف وقت ولادتها ويأتي الذباحون ليذبحوا ذكور بني إسرائيل، ثم لما كثر القتل فيهم حتى كادوا أن يفنوا جعلوا يقتلونهم عامًا ويتركونهم عامًا، ويولد موسى- عليه السلام - وقت الذبح والتقتيل.. فانظر إلى أي درجة من درجات الاستضعاف وصل حال بني إسرائيل, ولكن إرادة الله سابقة: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } .

وقد كان الصحابة- رضي الله عنهم - يعقلون هذه المعاني، ويحيون بها، وخاصة تلك التي كانت ببني إسرائيل زمان فرعون.

وقد كان عمر- رضي الله عنه - ولَّى عمار بن ياسر- رضي الله عنه - إمارة بالعراق، ثم بعد ذلك عزله فلما سُئل عن ذلك قال:"أردت أن يتحقق قول الله- عز وجل: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } ، وذلك أن عمارًا كان يلقى من الأذى ما لم يلقه غيره واستضعف أشد الاستضعاف حتى اضطر أن ينطق بكلمة الكفر.. وأي أسباب أضعف من أسباب بني إسرائيل؟ بل ما كان عندهم أسباب يواجهون بها شر فرعون وقومه، ومع ذلك فإن إرادة الله هي النافذة، وحذر فرعون وهامان وجنودهما لم يغنِ عنهم شيئًا؛ فإن الله مقلب القلوب ومدبر الأمر, فانظر إلى قدرته سبحانه وحكمته أن يجعل فرعون هو الذي يربي موسى, وهو الذي يحفظه ويرعاه إلى أن ينفذ قضاء الله سبحانه وتعالى وأمره, واستوعب جيدًا هذا الموقف من موسى- عليه السلام - في قوله: { اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا } , وفي تأكيده أن الأرض لله, ليست لمن زعم أنه قاهر جبار, وأنه إن شاء فعل وفعل: { إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } ."

وتأمل فهمه الدقيق لأهمية التقوى, وأن العاقبة للتقوى, وأن العاقبة للمتقين, وأن كثرة الطغيان سبب لقرب الهلاك وقرب نزول البلاء الذي ما كانوا يحتسبونه، فأتاهم الله من حيث ما لم يكونوا يحتسبون وهم في أوج قوتهم وجبروت طغيانهم.

فتأمل هذا جيدًا وقارن بينه وبين ما كان من موسى- عليه السلام - في شبابه وهو في أول دعوته وقد كانت له شيعة ووجد صراعًا غير متكافئ القوة وغير محسوب العاقبة بين رجل من شيعته ورجل من عدوه، { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } ، وذلك لوجود حمية وعاطفة في نصرة المستضعف وكراهية التحمل لمثل هذا الاستضعاف وإرادة الانفجار، ولكن كان هذا في الحقيقة من عمل الشيطان.. تأمل هذا الموقف جيدًا مع أن التهديد الأشد كان في المرحلة التي بعد ذلك كان التهديد: { سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } تهديد شديد مع أن موسى في شبابه كان له شيعة وأعوان، ومع ذلك لم يتحمل أن يرى من يصرع ويقتل ويضرب، واندفع فقتل ذلك الفرعوني، وكان ذلك منه- عليه السلام - خطيئة مع أنه لم يرد قتله، إنما قتله خطأً، إنما أراد أن يدفع عن ذلك الإسرائيلي الظلم ومع ذلك فعدَّها من عمل الشيطان، وعدَّها يوم القيامة خطيئته التي أصاب، يقول:"إني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها"، مع أنها نفس كافر حقير لا وزن له عند الله- عز وجل -، وقد قتله لنصرة مظلوم، وقد كان في الحقيقة مع كونه مظلومًا غويًا مبينًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت