فهرس الكتاب

الصفحة 14305 من 27345

والحديث عن هذه السنة يكثر في القرآن الكريم، بل إن قراءة قصص الأولين والغابرين في كتاب الله تبارك وتعالى تؤيد هذا المعنى وتشهد له.

إن دراسة سنة التغيير هذه تعطينا نتائج:

النتيجة الأولى: أننا نحن المسؤولين عن هذا الواقع، وأن الأمة إنما أتيت من داخلها، فليس الكيد الخارجي والتآمر، وليس فلان أو فلان هم المسؤولين عما حل بالأمة، بل نحن المسؤولون عما حل بنا (ذلك بأن الله لم بكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، فالحال التي وصلنا إليها والواقع المر الذي نعانيه ونعيشه الآن إنما هو نتيجة للتغير الذي كان بأنفسنا، فلنكن صرحاء مع أنفسنا ولانحيل مشاكلنا على غيرنا ولا نتهم بها سوانا ولا نحمل المسؤولية من لا يتحملها، فنحن وحدنا الذين نتحمل كل المسؤولية.

إن ما حل في مجتمعات المسلمين من بعد عن دين الله، من تخلف، من جهل، من أمية، من فقر من حروب، إن كل ذلك نتيجة منطقية لما كسبت أيدينا.

النتيجة الثانية: أن التغيير لن يتم إلا إذا غيرنا ما بداخلنا، إننا ونحن نتطلع إلى عالم أفضل، ونسعى إلى تغيير ما في الناس من بعد عن دين الله تبارك وتعالى، ونسعى إلى إعادة الناس إلى دين الله عز وجل لا يمكن أن يتحقق لنا ذلك دون أن نغير ما بأنفسنا، وإذا غيرنا ما بداخلنا فهي الخطوة الأولى للتغيير وللإصلاح.

النتيجة الثالثة: أن هذا يعطينا الاقتناع بأن التغيير ممكن، وأن الواقع المعاصر ليس أمرًا حتمًا ولازما؛ فالأمة يمكن أن تنتقل إلى عالم أفضل.

إننا حين ننظر إلى حال المسلمين وإلى حال هذه الأمة، نرى أن هناك أزمة تعانيها الأمة وأنها بحاجة إلى من يقنعها بالتغيير؛ فالكثير من الناس يعتقد أن هذا الواقع يفرض نفسه، ولهذا حين تحدثه عما في نفسه أو تحدثه عن قضية يعاني منها المجتمع، وتطالبه أن يأخذ بيد الساعين والقائمين للتغيير يقول لك:"إن المفروض شيء والواقع شيء آخر"وهذا يعني الاستسلام للواقع، وأنه ضربة لازمة لا سبيل ولا مناص إلى تغييره.

ثانيا والأمة مصابة بإلقاء التبعية على الجيل السابق أو اللاحق، وهي ثالثًا مصابة بداء تسويغ الواقع الذي تعيشه الأمة الآن.

إنها جريمة عظمى يرتكبها هؤلاء الذين يقفون حجر عثرة في سبيل أي جهد يبذل للإصلاح والتغيير، ويسعون لتبرير الواقع وتسويغه، وتسويغ الانحراف الذي تعاني منه الأمة والذي لم يعد خافيا على ذي بصيرة ، إن هناك من يدافع عن تلك الجرائم التي ترتكب بحق الأمة؛ فيدافع ويبرر كثيرا من مظاهر الشرك والوثنية التي تعاني منها الآن ويلبسها لباس المصلحة تارة ولباس الجهل تارة أخرى، لأن أولئك يفقهون مالا يفقهون ويعملون مالا تعملون ويريدون مالا تريدون، والمصلحون حين ينزلون الحكم الشرعي على هذه الوقائع؛ فيقررون أن هذا الأمر جريمة، أو أن ذلك العمل صد عن سبيل الله، أو أن هذا مظهر من مظاهر الكفر بالله تبارك وتعالى، فهم يسعون إلي إثارة البلبلة وإلى تمزيق صف الأمة ووحدتها، وكأن هذه الأمة مدعوة لأن تتحد على الخنا والفجور، وأن تحافظ على هذا الاتحاد في ولو كان ذلك على حساب قضية الإيمان والتوحيد والعفة والنزاهة . إن جريمة من يسعى لتسويغ الواقع وتبريره، أشنع وأشد من جريمة القاعدين والناكصين.

وسلوك رابع خاطئ في تعامل المسلمين مع هذه القضية، وهو إفراز لشعورهم بأن هذا الواقع لا يمكن أن يتغير، ذلكم هو الوهم الذي سيطر على المسلمين أن حل قضيتهم في انتظار البطل القادم الذي يأتي ويحل مشاكل المسلين ولهذا فالمسلمون دائما يتساءلون أين ابن تيمية ؟ أين صلاح الدين ؟ أين خالد بن الوليد ؟ أين فلان وفلان من الناس ؟ وكأن هؤلاء قد شعروا بأنهم غير قادرين على أن يصنعوا شيئا، ولا أن يتقدموا خطوة، وأن هذا الواقع الذي تعاني منه هذه الأمة لايمكن أن يتغبر إلا إذا جاء هذا الفارس الموهوم والبطل القادم، الذي ليس له وجود إلا في خيال أولئك القاعدين والناكصين.

إن المسلمين وهم يعيشون مرارة الهزيمة ومرارة التخلف، وهم يعيشون البعد عن دين الله تبارك وتعالى تتطلع نفوس كثير منهم للتغيير والإصلاح، لكنهم لايجرؤون على أن يحملوا أنفسهم مسؤولية ما آل إليه واقعهم؛ فيستسلمون لهذه الأوهام، ويتطلعون إلى أن يأتي رجل من عالم الغيب يقود الأمة، ولو جاء هذا الرجل فإنه ما لم يكن له من الناس عون وظهير فإنه سيقول كما قال موسى ( إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) ، فحين تخلى قوم موسى عن موسى لم يكن ينفعهم ولم يكن لينجيهم أنهم مع رسول من رسل الله، فلئن لم يتحقق ذلك لبني إسرائيل وهم مع نبي من أنبياء الله فإنه لن يتحقق لغيرهم وهم مع من هو دونه بكثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت