فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأخيرا قد يلجأ الناس إلى الهروب من التفكير في القضية أصلا؛ فيهربون من التفكير في الواقع ومرارته، أو يهربون من المناقشة الصريحة في وسائل التغيير والإصلاح، ويصرفون القضية يمنة ويسرة، وهذا فرار من المسؤولية وتخل عن التبعة لن يفيدهم شيئا، ولن يغني عنهم أمام الله تبارك وتعالى.
النتيجة الرابعة (من نتائج فقه سنة التغيير) : ضرورة القراءة المتأنية في داخل النفوس لاكتشاف العلة والسعي لإحداث التغيير، فما دام قد تقرر لدينا أن هذا التغيير الذي أصاب الأمة -وقد كانت أمة العز والنصر والتمكين- إنما أتاها من أنفسها ومن داخلها يدعونا إلى دراسة متأنية لما في النفوس، حتى نسعى إلى اكتشاف العلة، والبحث عن مكمن الداء، ثم نسعى بعد ذلك إلى العلاج والإصلاح.
إذا فقضية الإصلاح والتغيير تحتاج جهدا ضخما من القراءة في سنن الله تبارك وتعالى، ومن خلال قراءة ما في النفوس ووعيها، ثم إقناع الناس بواجب التغيير وضرورته وإمكان التغيير.
النتيجة الخامسة: شمولية الأمر لجميع جوانب الحية المختلفة فالله تبارك وتعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا بأنفسهم ) فالله تبارك وتعالى لم يكن ليغير حال الناس من تدين وصلاح وتقوى إلى فجور إلا وقد غيروا ما بأنفسهم والعكس كذلك.
ويدخل في هذا الأمر أيضا ما يعاني منه المسلمون في أمور عالمهم المادي؛ فالأمة الإسلامية الآن مدرجة ضمن العالم المتخلف؛ فهي تعاني الأمية والجهل والفقر والتخلف والتأخر الاقتصادي والمديونية والتفرق والتمزق؛ إنها تحمل رصيدا هائلا من الأمراض البشرية التي تحملها المجتمعات المعاصرة؛ فهي حين تريد تغيير ما بها ينبغي أن تعلم أن التغيير إنما يتم من الداخل، فإن كانت الأمة صريحة مع نفسها فإنها يمكن أن تغير وإن أخلدت إلى الأرض، فإن هذا الواقع لن يتغير حتى يغير ما بواقع الناس.
النتيجة السادسة: ينبغي أن نربط هذه القضية بركن من أركان الإيمان، ألا وهو الإيمان بالقضاء والقدر؛ فلا يتم إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وحتى يعلم أن الأمور كلها تجري بقدر الله تبارك وتعالى.
إن المؤمنين يدركون جميعا هذه الحقيقة إدراكا نظريًّا، ويعلمون أن الأمور كلها في عالمهم المادي وغير المادي إنما هي بقضاء الله تبارك وتعالى وقدره، ويؤمنون ويدركون أيضا بأن الله تبارك وتعالى قد جعل لهذه الأمور أسبابًا، وأن من تمام الإيمان بالقضاء والقدر أن يسلك الناس فعل الأسباب.
إن الناس كل الناس يدركون أن الجوع والمرض أمر بقدر الله تبارك وتعالى لكنهم يسعون إلى منع المرض عنهم ومنع الجوع عنهم، وإلى دفعه عنهم بالطعام والشراب والعلاج، إنهم يدركون جميعا أن الرزق بيد الله تبارك وتعالى، وأنه لا يزيده ولا يرده حرص حريص، وأنه لن تموت نفس منفوسة حتى تستكمل رزقها، وأنه لن يحصل رزقهم إلا إذا فعلوا الأسباب؛ فيجتهدون ويبذلون وهم يعلمون أن الرزق بيد الله تبارك وتعالى.
ولكن هل نحن في أمور مجتمعاتنا وفي نظرتنا إلى واقعنا ندرك هذه القضية وهذه الحقيقة، وهي ارتباط السبب بالنتيجة؟ هل ندرك أن الأمور بيد الله تبارك وتعالى؟ وما أكثر ما نردد: الأمور بيد الله، ونقول القضية قضاء وقدر ونلجأ إليه بالدعاء، لكن هل نحن مع ذلك نفعل الأسباب؟ هل نحن نسعى لفعل الأسباب ؟ إننا لن نحصل على رزقنا إلا بفعل الأسباب فلن ندرك التغيير أيضا في مجتمعاتنا والإصلاح إلا بفعل الأسباب والاجتهاد في ذلك وينبغي أن تكون الأسباب على قدر الهدف الذي نتطلع إليه ونسعى إليه.
ما بال الناس يجتهدون في دفع المرض عنهم؛ فينفقون الأموال الطائلة، ويسافرون يمنة ويسرة في محاولة علاج هذا المرض، مدركين أن ذلك من تمام الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن الأمور بيد الله لكنهم يبذلون هذا الجهد، فهل نحن نبذل هذا الجهد في تصحيح واقعنا؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في علاج أمراضنا؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في دفع هذا الفساد الذي حل بأمة الإسلام؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في إزالة هذه المنكرات التي فشت في مجتمعات المسلمين؟
إنه من الجهل بقضاء الله وقدره، بل من مخادعة النفس أن نضع يدًا على يد ونقول إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن نبكي وننتحب على أمة الإسلام؛ فالبكاء لن يجدي ولن ينفع، والدعاء وحده لن يؤتي ثمرته إلا إذا كان معه جهد وبذل وتضحية وتحمل، إننا ما لم نشعر أننا يجب أن ندفع ثمنا باهظًا لإزالة المنكرات، وتصحيح الواقع للنهوض بهذه الأمة فإننا غير مؤهلين للتغيير؛ لأننا لم نغير ما بأنفسنا.
إن من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده أن جعل هنالك علاقة مطردة في حياة الناس بين السبب والنتيجة؛ فكل نتيجة يوصل لها سبب معروف يعرفه الناس، بدءًا بأقل القضايا إلى الأمور المعقدة، سواء في عالمهم المادي أو حياة مجتمعاتهم وحركة التاريخ، وهذا يعني أن يسعى الناس إلى اكتشاف الأسباب، وإلى بذل الأسباب إذا كانوا يتطلعون إلى نتيجة.