بل نجد الإقدام والشجاعة والاقتحام، وكأن الغلام قد بثّ فيهم البطولة والثبات، وها هم يجدّون في اللحاق به، وهم يتلذذون في تقديم أرواحهم فداء لدينهم، تموت الأجسام وتحيا عند خالقها. والحالة الفريدة التي وردت في الرواية، هي تلك المرأة التي خافت على رضيعها - لا على نفسها - وحُقَّ لها أن تخاف، حيث إن ذلك رحمة وشفقة ًلا جُبْنًا وخوفًا، ولكنها قد أرضعته الإيمانَ والشجاعة والإقدام، فطلب منها الإقدام فأقدمت.
وإذا كانتِ النفوسُ كبارًا تعبتْ في مرادها الأجسامُ
(27) أي أمة تلك؟ وأي قوم أولئك؟ مع الزمن الطويل الذي عاشوه في الظلام، والسنوات التي استعبدهم فيها هذا الملك، ومع قصر المدة التي عرفوا فيها الإيمان فقد عرفوا المنهج حق المعرفة، وكأنهم عاشوا فيه كما عاش الراهب طول عمره، أو تربّوا عليه كما تربى الغلام في صباه.
إنه الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، ولامس الأرواح يفعل العجب.
لقد رأينا في قصة الراهب وجليس الملك والغلام انتصارًا فرديًا، ولكننا في قصة أولئك المؤمنين نرى انتصارًا جماعيًا، قلَّ أن يحدث له في التاريخ مثيلًا كما حدث لسحرة فرعون (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:46-47) .
إن كل هذه الانتصارات المتلاحقة ثمرة طبيعية لصفاء العقيدة، ووضوح المنهج، وسلامة الطريق، ومن ثم الفهم العميق لحقيقة الانتصار.
فهل يعي ذلك أولئك الذين يروْن أن حياتهم تحت حماية عدوهم بذل واستصغار مع شيء قليل من حطام الدنيا؛ خير لهم من الموت بشرف وعزّ وكرامة .
مَنْ يهنْ يسهل ِالهوانُ عليه ما لجرح ٍبميّتٍ إيلامُ
وصدق عنترة:
لا تسقِني ماءَ الحياةِ بذلّةٍ بلْ فاسقني بالعزّ كأسَ الحنظل
(28) وقبل أن نغادر هذه القصة العجيبة يرد سؤال في الأذهان:
ماذا حلّ بهذا الملك وحاشيته وجنده ؟
وهل ذهبت دماء هؤلاء المؤمنين وأرواحهم دون انتقام من الله ممن قتلهم؟ إننا لا نجد في القرآن ولا في السنة أي ذِكْر لهؤلاء الظلمة، وماذا كان مصيرهم في الدنيا، ولله في ذلك حكم قد تخفى علينا. نعمْ ،،، وردتْ آية في آخر قصتهم فيها دعوة لهم وتحذير:"إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق". ولكن سنة الله الجارية"فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقًا علينا نصر المؤمنين"وقال سبحانه لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) (الزخرف:41) . وَوعْدُ الله ِالذي لا يتخلف: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر:14) . والعزاء للمؤمنين على مرّ الأجيال: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (الطارق: 15-17) . والحذر الحذر من اليأس والقنوط وسوء الظن بالله: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: من الآية87) ، (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) (ابراهيم: من الآية42) . (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (ابراهيم:47) .
وبعد:
أخي الكريم، وبعد هذه السياحة في هذه القصة العجيبة، والجولات البطولية؛ التي لم يلتبس فيها الحق بالباطل، ولا النور بالظلام ـ اسأل نفسك بتجرّد:
مَن الذي انتصر في هذه المعركة الفاصلة؟
أهو المَلِك أم الغلام ؟
هل انتصر الملأ أو المؤمنون ؟
والتاريخ يُعيد نفسَه، وتتغير الرسوم والأشخاص والدول، وتبقى الحقائق والثوابت والمبادئ. (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: من الآية128) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
* نشر هذا المقال في موقع الإسلام اليوم بتاريخ 4/1/1423