(24) إن الحياة الدنيا وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام، ومن متاع وحرمان، ليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة والنصر ليس مقصورًا على الغلبة الظاهرة، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة. إن الناس جميعًا يموتون، وتختلف الأسباب، ولكن الناس لا ينتصرون جميعًا هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا يتحررون هذا التحرر، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق، إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده، تشارك الناس في الموت، وتنفرد دون كثير من الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى، وفي دنيا الناس - أيضًا - إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال.
إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة، وليست شيئًا آخر على الإطلاق، وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة) أ. هـ
ما أحوجنا إلى هذا الفهم الذي يؤصل قاعدة مهمة من قواعد النصر، وهي أن الانتصار هو انتصار المبادئ والثبات عليها، وليس هو البقاء على ظهر الأرض والعيش فيها، فكم من قتيل قد انتصر، وكم من حيّ قد انهزم ويعيش كما تعيش الأنعام، بل أضل سبيلًا
يا شيخ ُصبرًا مضت أيامنا دولًا كم من (قتيل) علا والخصم في الحفر
(25) عجيب أمر هذا الغلام ! لماذا دلّ الملكَ على مقتله؟ ولماذا، وقد منعه الله من كيدهم لم يؤثر البقاء ليبلغ رسالة ربه، ويدل الناس على الدين الحق، ويُبقي على حياته سالمًا؟ هذا سؤال يتبادر إلى الأذهان والفهوم التي لم تعرف حقيقة الانتصار، وإلا لو تأملت قليلًا لوجدت أن الغلام قد سلك بفعله طريق أعظم الانتصارات والمجد والخلود .
** إن الغلام قد أدرك بتوفيق من الله وحده ـ أن كلمة واحدة في لحظة حاسمة صادقة، تفعل ما لا تفعله آلاف الكلمات في عشرات السني. إن الحياة موقف، يتميز فيها الصادق من غيره، وقد سنحت فرصة ثمينة لا يجوز تفويتها، ولا يليق تبرير ضياعها، وكما قيل: إذا هبت رياحك فاغتنمها، وقد هبت رياح هذا الغلام، وهل رياحه إلا تبليغ رسالة ربه وإنقاذ قومه وعشيرته من النار، ولو دفع حياته ثمنًا في سبيل تحقيق هذه الغاية، وما أرخصها من نفس في سبيل تحقيق هذا الهدف العظيم .
** إنه انتصار الفهم، وانتصار الإرادة، وانتصار العقيدة، عندما تتحول في صدر صاحبها إلى قوة مؤثرة، وحياة صادقة، وليست على هامش حياته وسلوكه وتفكيره .
إن هذا الغلام قد انتصر عدة مرات في معركة واحدة، وموقف واحد:
إن الغلام أقدم على ذلك وهو يعي حقيقة ما يفعل، أما المَلِك فأعمته سَكْرة ُالمُلْك، وشهوة السلطان عن أن يدرك ما خطط له هذا الغلام؛ في هذه المعركة الفاصلة التي مات فيها فرد، وحيت أمة، بل حتى الفرد لم يمت ،،، (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169)
(26) وتتويجًا لهذه الانتصارات المتلاحقة تأتي نهاية القصة عندما آمن الناس برب الغلام، آمنوا بالله وحده وكفروا بالطاغوت، وهنا جُنّ جنون الملك وفقد صوابه، فاستخدم كل ما يملك من وسائل الإرهاب والتخويف، في محاولة يائسة للإبقاء على هيبته وسلطانه، وتعبيد الناس لهمن دون الله.
فها هو يحفر الأخاديد، ويوقد النيران، ويأمر زبانيته وجنوده بإلقاء المؤمنين فيها، وهنا تأتي المفاجأة المذهلة، فبدل أن يضعف من يضعف، ويهرب من يهرب، لا تسجل الرواية أن أحدًا منهم تراجع أو جَبُنَ أو هرب.