فهرس الكتاب

الصفحة 14380 من 27345

وهل ذهبت دماء هؤلاء المؤمنين وأرواحهم دون انتقام من الله ممن قتلهم؟ إننا لا نجد في القرآن ولا في السنة أي ذِكْر لهؤلاء الظلمة، وماذا كان مصيرهم في الدنيا، ولله في ذلك حكم قد تخفى علينا

(13) نِعْمَ الجليسُ جليسُ هذا الملك الذي حمد نعمة َالله عليه، وكان جريئًا بالحق لا تأخذه في الله لومةُ لائم، وفقد منصبه ومكانته، بل ضحى بكل متع الدنيا، وتحمل الأذى والتعذيب ثم الموت، ونال الشهادة في سبيل الله، فهنيئًا له ،،، ولا نامت أعين الجبناء والمنافقين والمتكسّبين بالدين ،،، (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة: من الآية79)

(14) شجاعة الغلام وقوته في الحق أمام هذا الملك الظالم، حيث أعلن توحيده، وثبت عليه، ولاقى في ذلك ما لاقى

(15) أنه لا لوم على من دل ظالمًا على مسلم إذا كان هذا بسبب الأذى والتعذيب مما لا طاقة له به، فالإنسان له حد في التحمل والصبر، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يجوز أن نلوم من عذره الله، ولذلك لم يلم ِ الغلامُ جليسَ الملك، ولا الراهبُ الغلامَ، ولكن ذلك لا يكون إلا بعد بذل الوسع والطاقة، واستنفاذ الفرص

(16) مع خوف الراهب من الملك، وإشفاقه من الأذى، فقد ثبت ثباتًا عجيبًا، وصمد صمودًا نادرًا، وهو يمثل قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية وإذا لقيتموهم فاصبروا ) )، وقد نال الشهادة في سبيل الله صابرًا محتسبًا؛ مقبلًا غير مدبر. وكذلك فعل بالجليس فلم يصده عن دينه مع حداثة عهده بالإسلام، وطول مجالسته للملك، فلقي ربه صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، وكذلك بشاشة ُ الإيمان إذا خالطت القلوب تمكّنتْ منها، وفي قصة الجليس وإيمانه وقتله شبه بقصة سحرة فرعون ،،، رحمهم الله أجمعين.

(17) إكرام الله للغلام بهذه الكرامات من أجل أن يتم أمر الله في نصرة دينه وإعلاء كلمته على يديه، ويشرع للمؤمن أن يسأل الله أن يمده بكرامات من عنده؛ تثبيتًا لقلبه، وبرهانًا في دعوته، وكبتًا لأعدائه وخصومه، وقد سأل إبراهيم - عليه السلام - ربه، فقال:"ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي"، وسأل بنو إسرائيل عيسى - عليه السلام - أن يسأل الله لهم أن ينزل عليهم مائدة من السماء"قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين"فسأل عيسى - عليه السلام - ربه فاستجاب له"قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعدُ منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين"

(18) ويدخل في ذلك: القَسَم على الله، فمن عباد الله من لو أقسم على الله لأبره .

(19) تأمل هذا الدعاء الجامع: (( اللهم اكفنيهم بما شئت ) )وهو أولى من كثير من الأدعية التفصيلية حيث إن تفويض الأمر لله يغني عن اجتهاد البشر، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، والخير كل الخير فيما يختاره الله وقد يختار الإنسان في دعائه لهلاك عدوه أمرًا لا يتحقق فيه ما أراد"وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون"، بل قد يكون فتنة له وبلاء، وقد قيل للحبيب -صلى الله عليه وسلم:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".

(20) كيف عرف الغلام أن الملك لن يستطيع أن يقتله، وأن طريقة قتله هي كما ذكر مع أنه ليس بنبي؟ قد يكون ذلك إلهامًا؛ حيث ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن فيمَنْ قبلنا محدّثون، والظاهر أن هذا منهم، وهي كرامة من الله له، يدل على ذلك ما سبق من كرامات منذ صغره؛ ابتداء من هدايته على يد الراهب وما تلا ذلك حتى قتل - رحمه الله -.

(21) في هذا الحديث دليل على جواز العمليات الاستشهادية، فإذا كان هذا الغلام قد دلّ الملك على مقتله من أجل مصلحة غلب على ظنه تحققها، فمن باب أولى جواز الإقدام على ما فيه نكاية بالعدو، وتحقيق مصالح كبرى، ولو كان في ذلك قتل النفس، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا، والقول بالعمليات الاستشهادية له ضوابط، ليس هذا مكان تفصيلها، ومن أهمها: غلبة الظن على تحقق النكاية بالعدو، وإرهابه، والحد من طغيانه، على ألا يترتب على ذلك مفاسد تغلب على تلك المصالح، ولذلك لا بد أن يكون القرار للقيام بمثل تلك الأعمال صادرًا عن جهات تتوافر فيها شروط الأهلية لاتخاذ مثل هذه القرارات الخطيرة .

(22) قال سيد - رحمه الله: (في حساب الأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان وأن الإيمان الذي بلغ تلك الذروة العالية، في نفوس الفئة الخيّرة الكريمة الثابتة المستعلية لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان في حساب الأرض تبدو هذه الخاتمة أسيفة أليمة .

(23) ولكن القرآن يعلم المؤمنين شيئًا آخر، ويكشف لهم عن حقيقة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت