فهرس الكتاب

الصفحة 14405 من 27345

ومن أجل هذا قلنا إن هذا التشبيه هو من نوع تشبيه التمثيل ،وذلك جريًا على اصطلاح جمهور البلاغيين الذين يرون أن التشبيه التمثيلي ما كان وجه الشبه فيه منتزعًا من متعدد (12) .

مظاهر البلاغة النبوية في هذا التشبيه

نظرًا لأن التشبيه هو عمدة البلاغة في هذا الحديث الشريف فقد رأيت أن أخصه بشيء من التفصيل أبدأ فيه ببيان أهمية المثل وقيمته البلاغية بصفة عامة ،ثم أشير إلى القيمة الجمالية لهذا المثل النبوي الشريف ،وما فيه من ملامح بلاغة أبلغ البلغاء صلى الله عليه وسلم.

أ- القيمة الجمالية للمثل بصفة عامة:

إن المثل بما فيه من مسحة جمالية يمتع نفوس السامعين ويدفع عنها السآمة والملل ،ولا شك أن ذلك أدعى إلى قبول ما يلقيه المتكلم والتأثر به ؛فالنفس البشرية مفطورة على حب الجمال والميل إليه،والمثل (( يمتاز بخلا بته ورشاقة موقعه في النفس وطرافته التي تتجدد ولا تبلى مما ترى أثره يبرق في وجوه السامعين ونظراتهم وثغورهم ... قال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلًا كان أوضح للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب الحديث ،وقال إبراهيم النظام: يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام:إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية ) ) (13) .

وقال عبد القاهر الجرجاني: (( واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة ،وكسبها منقبة ،ورفع من أقدارها ،وشب من نارها ،وضاعف قواها في تحريك النفوس لها ،ودعا القلوب إليها ،واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا ،وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفًا،فإن كان مدحًا كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم ... ،وإن كان ذمًا كان مسه أوجع ،وميسمه ألذع ووقعه أشد وحده أحد، وإن كان حجاجًا كان برهانه أنور وسلطانه أقهر وبيانه أبهر ... ،وإن كان اعتذارًا كان إلى القبول أقرب ،وللقلوب أخلب ،وللسخائم أسل ...،وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر ،وأدعى إلى لفكر ،وأبلغ في التنبيه والزجر،وأجدر بأن يجلي الغيابة ويبصر الغاية ويبريء العليل ويشفي الغليل ) ) (14) .

وإنما كان الأمر كذلك لأن أنس النفوس موقوف كما يقول الجرجاني: (( على أن تخرجها من خفي إلى جلي ،وتأتيها بتصريح بعد مكني ،وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم ،وثقتها به في المعرفة أحكم ،نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس ،وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع ؛لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام ،وبلوغ الثقة فيه غاية التمام ،كما قالوا:( ليس الخبر كالمعاينة ولا الظن كاليقين ) ،فلهذا يحصل بهذا العلم هذا الأنس أعني الأنس من جهة الاستحكام والقوة ،وضرب آخر من الأنس وهو ما يوجبه تقدم الألف كما قيل: ما القلب إلا للحبيب الأول )) (15) .

وفي أدبنا المعاصر استعمل شوقي طريقة الأمثلة القصصية في شعره ،فكان يكتب للأطفال الحكايات على ألسنة الحيوانات والطيور ولما سئل عن سبب ذلك قال: (( لأن الأمثلة وحدها بدون حكاية عبارة جافة سرعان ما تنسى ،كما أنها لا تثير الاهتمام ،أما الحكاية فهي تستثير اهتمام الطفل لمتابعة حوادثها حتى النهاية ،وبالتالي لفهم العظة الأخلاقية التي هي هدف القصيدة ويقتنع بها ) ) (16) .

وفي المثل كما يقول التربويون شحذ لذهن المتلقي واسترضاء لذكائه ،ودفع له إلى التأمل والتفكير في ما بين المشبه والمشبه به من أوجه الشبه ،وفيه تعويد له على التفكير السليم بربط الأسباب بمسبباتها والنتائج بمقدماتها.

ومن أجل هذه الفوائد وغيرها كان من نهج القرآن الكريم في الدعوة ضرب الأمثلة إرشادًا وتوجيهًا إلى الحق حتى بلغت أمثلة القرآن بضعة وأربعين مثلًا كلها في بيان الحق والحث على الخير والزجر عن الباطل .

وكذلك كان الداعية الأول صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يضرب الأمثال ويشبه الشيء بالشيء ترغيبًا وترهيبًا ودعوة إلى الله سبحانه ،ومن ذلك هذا المثل الذي بين أيدينا.

ب- القيمة الجمالية لهذا المثل النبوي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت