لقد زاد هذا التشبيه المعنى المراد وضوحًا وجمالًا ؛إذ إنه شبه الأمر المعقول وهو حال الناس في المجتمعات بأمر محسوس وهو حال قوم ركبوا سفينة على الطريقة التي وصفهم بها الحديث الشريف وهو حال (( من الجلاء والبديهة العقلية والمسلمة الفطرية ما ما يجعله بعيدًا عن الجدال ،أو التوقف فيه ،وهذا ما يجعل إقامته مقام المشبه به -حال الدنيا ومن فيها- علائق ومسؤولية ،حقًا وواجبًا أمرًا يستوجب التسليم المطلق بأن حكم العقل على حال الدنيا ومن فيها حكم السفينة وأهلها:علائق ومسؤولية وحقًا وواجبًا وأن التوقف في ذلك خطيئة عملية تقذف بصاحبها خارج أفق الإنسانية ،فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم ... قد أقام الحجة على كل ذي عقل أن صلاح المرء في نفسه غير كاف ،بل فريضة عليه أن يكون صالحًا وأن يكون مصلحًا ما حوله ) ). [فقه تغيير المنكر للدكتور محمود توفيق محمد سعد ص: 44-45،سلسلة كتاب الأمة] .
ثم إن الحديث لم يكتفِ بإعطاء السامع تشبيهًا مجردًا ،ولكنه جاء به في قالب أقرب ما يكون إلى هيئة القصة التمثيلية،وإن الناظر إلى هذا المثل يجده مليئًا بالحركة والحيوية والمشاهد المتتابعة ؛فهاهم القوم مقبلون على ركوب سفينتهم ،وهاهم يقتسمون أماكنهم فيها بالقرعة،حتى إذا ما استقروا فيها بدا لنا مشهد آخر فيه يظهر أهل السُفل متجهين إلى أعلى السفينة يحملون الماء ثم يعودون به إلى أماكنهم، ثم يبدو لنا مشهد أهل العلو وقد تأففوا مما أصابهم من مرور القوم عليهم ،فهم يعلنون ضيقهم وتبرمهم بالأمر،وأنهم لن يتركوا أهل السفل يلحقون الأذى بهم ،ثم يظهر لنا مشهد بعض أهل السفل وقد حملوا فؤوسهم معلنين أنهم وقد تأذى بهم أهل العلو فليس أمامهم من سبيل سوى أن يخرقوا في نصيبهم خرقًا يستقون منه ،ويكون المشهد الختامي نهاية مفتوحة على أحد احتمالين: فإما أن يقوم أهل الحزم والعزم بواجبهم فيمنعوا القوم مما أرادوه من خرق السفينة فينجوا الجميع ،وإما أن يتركوهم وشأنهم فتكون الهلكة العامة.
وتصوير الأمر بهذه الصورة البديعة يترك في نفس السامع ولا شك أثرًا حيًا يدرك به كيف يتطور أمر المنكر في المجتمع فهو يبدأ صغيرًا كخرق يسير ثم لا يزال يتسع إن لم يتداركه أهل الحكمة حتى تصعب السيطرة عليه ،وإن ذلك ليوحي للسامع بأهمية الأخذ على أيدي العابثين والقيام على حدود الله ،ويجعله مستحضرًا لتلك النتائج الرهيبة المترتبة على التقاعس عن أمر الله ،والمداهنة في حدوده سبحانه.
ج - اتساق التشبيه مع الغرض الذي سيق من أجله:
من جوانب البلاغة في هذا التشبيه اتساقه مع الغرض الذي سيق من أجله ؛ فإن تشبيه حال الناس في المجتمع بحال قوم قد ركبوا سفينة ،يتفق غاية الاتفاق مع الغرض الذي سيق لأجله التشبيه وهو بيان أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطورة التغاضي عن أصحاب المعاصي والمنكرات؛إذ إن السفينة وهي في عرض البحر عرضة لمخاطر جمة من الأمواج المتلاطمة والمياه المغرقة وكائنات البحر المفترسة ،وكل ذلك مما يبين خطورة السكوت على عبث من أراد خرقها، وأن المجتمعات عرضة لمخاطر لا تقل عن تلك التي يتعرض لها ركاب سفينة في عرض البحر،وكما أن أخطاء البعض في السفينة يمكن أن تودي بحياة جميع ركابها،كذلك يمكن أن تودي خطايا بعض الأفراد بخراب مجتمع بأسره.
د- الدقة في اختيار عناصر المشبه به:
من الملاحظ في هذا الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار عناصر المشبه به بدقة تامة بحيث لا يمكن أن نصل إلى المعنى المقصود بنفس هذه الدرجة من الوضوح لو اختير للتشبيه عناصر أخرى غيرها ،وعناصر المشبه به في هذا التشبيه تنحصر في السفينة والماء والقوم الذين في السفينة.
1-فاختيار البحر أو النهر مكانًا للصورة التي يراد التشبيه بها ،يوحي كما أسلفنا بعظم المخاطر التي تتعرض لها السفينة من الأمواج المتلاطمة والكائنات البحر المفترسة إضافة لما يمكن أن يترتب على خرق السفينة من غرق كل من فيها.
2-وفي اختيار السفينة محلًا لأولئك القوم بيان للخطر العظيم المترتب على فشو المعاصي في المجتمعات ،لأن من يقوم بخرق السفينة لن يهلك نفسه فقط بل سيهلك الكل معه ،ثم إن السفينة كانت من عهد نوح عليه السلام سبيل السلامة ورمز النجاة،حتى إنها لتعبر في الرؤيا بالنجاة ،واختيارها ليُشبَّه بها المجتمع في هذا المثل يوحي للمتأمل بعظم الجرم الذي يرتكبه أصحاب المعاصي والمنكرات،وهل من جرم أكبر من جرم من أراد أن يحيل رمز النجاة ووسيلة الخلاص إلى وسيلةٍ للموت والهلاك ؟