3-ثم إن اختيار النوعيات البشرية التي ذكرت في جانب المشبه به يعبر أصدق تعبير عن أصناف الناس في هذه الحياة الدنيا،فأولئك الذين يريدون أن يخرقوا السفينة بدعوى أنهم إنما يحفرون في نصيبهم هم أشبه شيء بأولئك العابثين الذين يتعللون بقضية الحريات الشخصية لإفساد الأمة ،ولا يزال أحدهم -كما يقول الرافعي رحمه الله: (( ينقر موضعه من سفينة ديننا وأخلاقنا وآدابنا بفأسه أي بقلمه ،زاعمًا أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع فيه ما يشاء،ويتولاه كيف أراد ،موجهًا لحماقته وجوهًا من المعاذير والحجج من المدنية والفلسفة ... وكما أن لفظة الخرق يكون من معانيها في البحر القبر والغرق والإهلاك، فكلمة الفلسفة يكون من بعض معانيها في الاجتماع الحماقة والغفلة والبلاهة،وكلمة الحرية يكون من معانيها الجناية والزيغ والفساد،وعلى هذا القياس اللغوي فالقلم في أيدي بعض الكتاب من معانيه الفأس ،والكاتب من معانيه المخرِّب،والكتابة من معانيها الخيانة ) ) (17) .
ويشير أهل العلو في المثل المضروب إلى بقية أفراد المجتمع الذين لا يأتون المنكر ولكنهم قد ياخذون على يدي فاعله وقد يسكتون عنه،وهذا بين واضح في كل المجتمعات ،لكن رواية البخاري في الشهادات تشير إلى صنف آخر هم المدهنون أي الذين يداهنون أهل الباطل ،ومنهم من يدعو لتركهم يفعلون ما يشاؤن بدعوى أنهم يمارسون حقهم في نصيبهم ؛كما في رواية عند أحمد ( فقال بعضهم: إنما يخرق في نصيبه ) ،وعند الحميدي: ( فقال بعضهم:اتركوه أبعده الله يخرق في حقه ما يشاء ) ،بل إن منهم من يحرضهم على فعل منكراتهم كما في رواية ابن حبان: ( فقال من ناوأه من السفهاء: افعل ) ،وفي هذا كله إشارة واضحة إلى تلك الفئة التي لا يخلو منها مجتمع والتي تنكر على من أراد القيام بواجب الأمر والنهي ،وتدعو لترك أهل المعاصي وشأنهم بدعوى الحرية الشخصية واستنادًا لتلك المقالة الإبليسية: ( إنما يخرق في نصيبه) .
والمقصود أن دقة الاختيار تتجلى في شمول الحديث برواياته المتعددة لكل أصناف الناس في المجتمع ،ما بين فاعلٍ للمنكر ،وناهٍ عنه ،ومن يقف موقفًا سلبيًا منه،ومن يدعو لتركه وشأنه أو يحرضه على فعله .
هـ - الدقة في اختيار الألفاظ:
وذلك أنه لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي لا ينطق عن الهوى ،وقد أوتي جوامع الكلم ،فإن من سمات حديثه صلى الله عليه وسلم الدقة واختيار اللفظ المناسب في موضعه بحيث لا ترى في كلامه (( حرفًا مضطربًا ولا لفظة مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه ،ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى وتأتيًا لسره في الاستعمال ) ) (18) .
وإن هذا الأمر ليتجلى في اختياره صلى الله عليه وسلم للألفاظ التي وصف بها أهل السفينة ،فقد جاءت تلك الألفاظ مطابقةً لحال الناس حتى في ما لا يتعلق تعلقًا مباشرًا بالقضية الرئيسة التي هي موضع عناية الحدي
فمن ذلك مثلًا قوله (استهموا ) : فإنه لو اكتفى بذكر ركوبهم في السفينة لما أضر ذلك بالمعنى المقصود وهو أهمية الأخذ على أيدي العابثين ،لكن ذكر الاستهام يدل على أن مواضع القوم في السفينة إنما جاءت على وفق الحق والعدل ،ففي عرف الشرع أن القرعة عند الاحتياج إليها وسيلة من وسائل إقامة الحق وإشاعة العدل ،وعليه فليس لأهل السفل أن يبدوا امتعاضهم من كون نصيبهم قد جاء في أسفل السفينة ،فكأن الحديث يشير إلى أن اقتسام الحظوظ في هذه الدنيا إنما هو بعدل الله وحكمته،وعلى المرء أن يسعى ويجتهد ثم ليرضَ بعد ذلك بما قدره الله له من متاع هذه الحياة ،وليس له إن قُدر عليه رزقه أن يعترض على قدر الله ،أو أن يبيح لنفسه ارتكاب ما حرم الله بدعوى أنه وقد حُرم مما أوتي غيره فله أن يصل إلى مثل ما فيه هذا الغير ولو بالطرق المحرمة الممنوعة.
وإذا كان قوله (استهموا ) يشير كما أسلفنا إلى أن الوضع في السفينة بدأ بالقسمة العادلة ،فإن ذلك يعني أن محاولة الإفساد هي محاولة طارئة لا أصلية ،وذلك يخدم قضية إيمانية أخرى ،وهي أن الأصل في البشرية كان التوحيد والصلاح ،وأن الشرك والفساد طارئان عليها ،فلم تبدأ البشرية بالوثنية وتعدد الآلهة كما يزعم أصحاب نظرية الطوطم ،بل بدأت بالتوحيد على عهد آدم عليه السلام واستمر الأمر على ذلك زمنًا حتى طرأ الشرك والفساد.