فهرس الكتاب

الصفحة 14408 من 27345

وفي الحديث أيضًا أن تأذي أهل العلو من مرور أهل السفل عليهم كان من الأمور التي حملتهم على خرق السفينة؛ ففي رواية الترمذي ( فقال الذين في أعلاها:لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا ) ،وعند البخاري في الشهادات (قال: تأذيتم بي ولابد لي من الماء) ،وفي هذا إشارة إلى صنف من أرباب الجرائم لا يكون الواحد منهم شريرًا بطبعه ،أو قد يكون ممن تتنازعه دوافع الخير ودوافع الشر،فربما رجَّح جانبَ الشر عنده تصرفٌ غير رشيد من بعض مَن حوله،وهذا وإن لم يكن مانعًا من الأخذ على يديه ومنعه من فعل الشر ،فإنه يلفت النظر إلى خطورة ما قد يبدو من البعض من تصرفات متعمدة أو غير متعمدة تدفع غيرهم إلى الوقوع في المعاصي والذنوب ،وعليه فالمؤمن الحق يحرص على أن يعين غيره على فعل الخير فإن لم يفعل فلا أقل من أن لا يكون دافعًا له إلى الشر والله تعالى أعلم .

وفي قوله حكاية عن أهل السفل: ( لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا) ، إشارة إلى صنف من الناس يبررون ارتكابهم لما يخالف الشرع بنبل مقصدهم وسموهدفهم ،والحديث يرد هذا التفكير السقيم ؛فهو يوضح أنه مهما تعلل أولئك القوم بأن مقصدهم من خرق السفينة هو دفع الأذى عمن فوقهم فإن ذلك ليس مصحِحًا لعملهم،ولا مانعًا من اعتباره منكرًا يجب تغييره.

والله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا ،كما بين ذلك الفضيل بن عياض في معنى قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا ) ( الملك:2) ،وقال رحمه الله: (( فالخالص أن يكون لله ،والصواب أن يكون على السنة ،ثم قرأ قوله:(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) ... )) (19) .

ذلك أن العمل لا يكون حسنًا حتى تكون نية صاحبه خالصة لله عز وجل ،ويكون مع ذلك موافقًا للشريعة الغراء،ومتى فقد أحد هذين الشرطين فهو باطل مردود ، (( فالعمل المتفق ظاهره مع الشرع إذا كان صاحبه مرائيًا أو منافقًا يحبط أجره ،والقصد الصالح إذا لم يجر في طريقه الذي رسمه الدين فلا قيمة له ولا يلتفت إليه ) ) (20) .

و- صفة العموم في هذا التشبيه:

وذلك أن الدارس للتشبيهات التي توجد في أمثلة الشعوب وآدابها، سيجدها ولاشك معبرة عن زمانها وبيئتها التي قيلت فيها ،بينما نجد الأمر على خلاف ذلك في تشبيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة،فهي تتسم بالعمومية بحيث لا يجد السامع في أي عصر وأي مصر كبير عناء في فهم المثل ومعرفة المقصود منه .

ولا غرو في ذلك فإنه لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم رسولًا للناس كافة ،وكانت رسالته هي الرسالة الخاتمة المخاطَب بها الناس كلهم إلى يوم الدين ،فقد انبنى على ذلك أن يكون الخطاب فيها متصفًا بصفة العموم حتى يمكن للكل فهمه ومعرفة المقصود منه.

وفي هذا الحديث نلمح صفة العمومية في اختياره صلى الله عليه وسلم لعناصر المشبه به ،فهي الماء والسفينة وأهل السفينة ،وهي عناصر يستوي في إدراكها كل الناس حتى الذين يعيشون في بيئة لا بحار فيها ولا أنهار،وهي أمور لازمة للبشرية في كل عصورها مهما تقدمت علومها وازدهرت حضارتها .

بل إن جُل من خوطبوا بهذا المثل لأول مرة كانوا من أهل البر الذين لم يعتادوا ركوب البحر ،بل هو نفسه صلى الله عليه وسلم لم يركب سفينة قط.

ثم إن كون أهل السفل في المثل المضروب أرادوا خرق السفينة ليستقوا يدل على أن السفينة كانت تجري بهم في نهر عذب الماء ،وهو ما لا وجود له في جزيرة العرب بالكلية.

ومعنى ذلك أن التشبيه لم يكن مستمدًا من البيئة التي كان يعيش فيها النبي صلى الله عليه وسلم ،وهذا يؤكد ما أسلفناه من وجود صفة العموم في هذا المثل العظيم.

هذا والله تعالى أعلم ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

(1) أخرجه أبو داود (4338) والترمذي (2168) ، (3057) وقال: حسن صحيح ، وابن ماجه (4005) ،وأحمد (1/2،5،7،9) ،وابن حبان (304،305- إحسان ) ، وأبو يعلى (128،131) ، الطبراني في الأوسط (1886) والحميدي في مسنده (3) ،كلهم من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه ،والحديث صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (1564) .

(2) منتخب من كلام أهل اللغة وشراح الحديث .

(3) شرح الكرماني ( 11/58) .

(4) عمدة القاري (13/57) .

(5) إرشاد الساري (4/288) .

(6) البيان والتبيين (2/44) .

(7) الرصف: الشد والضم ،والمعنى أن كلامه صلى الله عليه وسلم حسن التركيب،قد ضُمَّ بعضه إلى بعض بحكمة وإتقان.

(8) الخطل: المنطق الفاسد المضطرب.

(9) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص: 325.

(10) أخرجه البخاري (2465) ، (6229) ومسلم (2121) وأبو داود (4815) من حديث أنس.

(11) فتح الباري (5/98) .

(12) انظر الإيضاح للقزويني (2/371-373) ،ومعجم المصلحات البلاغية لأحمد مطلوب ص:333.

(13) تذكرة الدعاة للبهي الخولي ص:68.

(14) أسرار البلاغة: ص 92-96.

(15) المصدر السابق ص: 102 .

(16) فن الخطابة لدايل كارنيجي ص: 132.

(17) وحي القلم للرافعي ( 3/7-9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت