كنا قد طلبنا في تلك المحاضرة من الشاب أن يودع طريق الغفلة وأن يسلك طريق الاستقامة, وحاولنا قدر الإمكان أن نحشد ألوانًا من الحجج والأدلة العقلية والمنطقية ، الأدلة المستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، حاولنا أن نتحدث مع الشاب لنحشدله الكثير من المؤيدات والحجج والبراهين التي تؤيد مطالبنا المشروعة ، و ها نحن الآن نخاطبه بلغة أخرى ومنطق آخر، ولكن هذا لا يعني أننا تخلينا عن مطلبنا الأول ، فلا زلنا نطالب وبصوتٍ عالٍ وبصوت مُلِح لا زلنا نطالب جميع هؤلاء الشباب أن يعودوا إلى طريق الاستقامة والصلاح، وأقول أن يعودوا وليس أن يسلكوا ، لأن هذا هو الأصل وهذا هو طريق الفطرة ولن نزال أيضًا على هذا المطلب وسنزال عليه مهما خاطبناك بلغة أخرى، لا زلنا نطالبك بالتوبة ، ولا زلنا نطالبك بالعودة إلى الطريق الصحيح وإلى المسار السليم، ألا وهو الاستقامة على شرع الله عز وجل وسنزيد إلحاحًا وسنزيد مطالبةً ، ونشعر أن من محبتنا لك ومن حقك علينا أن نزيد في المطالبة والإلحاح ، إنك ترى رجلًا يطلب من إنسان دَيْنًا أو حقًّا فتراه يلح في مطالبته وتراه يحاول أن يستعين بالشفعاء والوسطاء ويسلك آلاف الأساليب والحيل للمطالبة بحقه ، وأنت ترى أنه يطالب بحق مشروع بالله عليك أينا أكثر حقًّا وأولى بالإلحاح.؟ . أتصور أن مطالبنا أكثر مشروعية من مطالب ذلك الذي يلح بمطالبة دَينه ، فذاك رجل يطلب حقًا شخصيًّا له أما نحن فنطلب منك إسعادك ، نطلب منك أن تسلك طريقًا أنت وحدك المستفيد منه وأنت وحدك الخاسر حين ترفضه . . . أينا أكثر مصداقية في مطلبه ؟ أي المطلبين أكثر مشروعية ؟ .
لا زلت مسلمًا
هناك وهم كاذب يسيطر على البعض من الشباب وهو ما أشرت إليه في مقدمة حديثي ، يتصور الشاب أن أمامه خياران ، الخيار الأول: هو أن يتوب ويسلك طريق الالتزام والاستقامة ، ويعني هذا أن تنقلب حياته رأسًا على عقب ، فيبدأ يحافظ على الأوامر ويبدأ بفعل النوافل ويحرص عليها ، يبدأ يجتنب المحرمات والمعاصي ، يبدأ بتغيير تفكيره ومنهج حياته، يصيبه انقلاب كامل في جوانب حياته هذا هو الخيار الأول ، الخيار الثاني: عند الفشل في تحقيق هذا الخيار لسبب أو لآخر هو لا يزال مقتنعًا أن هذا هو الطريق الذي يجب أن يسلكه وأنه سيسلك هذا الطريق يومًا من الأيام ، لكنه فشل إما لضعف شخصيته ، أو لحواجز وهمية أو لسبب أو لآخر ، القضية إذن أمامه الخيار الآخر ، هو أن يبقى على ما هو عليه حينئذ يتصور أنه ما دام غير ملتزمٍ فله لغة أخرى ، ما دام غير ملتزم فمن حقه أن يضيع وقته ، ألا يحافظ على الصلاة ، ما دام غير ملتزمٍ مثلًا فليس مطالبًا بأن يفعل النوافل ، ليس مطالبًا أن يقرأ القرآن ، ليس مطالبًا بهذه المطالب …، ونرى هنا النقلة البعيدة والفرق الشاسع جدًّا بين هذا الشاب وهو في طريق الغفلة والإعراض ، وعندما يسلك طريق الالتزام ترى نقله بعيدة جدًّا ، أليس هناك حل ثالث وخيار ثالث نختصر فيه هذه النقلة ؟
قد تطالب الشاب أن يتخلى عن استماع الغناء وعن مشاهدة الأفلام ، تطالبه بالمحافظة على صلاة الفجر، تطالبه بأن يفعل السنن الرواتب، أن يقرأ القرآن ، فكأنه يستغرب هذا المطلب ويقول لك: يا أخي أنا لست ملتزمًا أنا غير مستقيم !! وحين لا يقول هذا الكلام بلسان المقال يقوله بلسان الحال ، من أين هذا الوهم ؟ ولماذا لا نفترض طريقًا ثالثًا ومرحلة ثالثة ؟ إنك قد تقول لي إن عندك عوائق .. ، عندك أعذار..، عندك أسباب تمنعك من طريق الاستقامة …، لكن إذا لم تسلك هذا الطريق فثم طريق ثالث - هذا لا يعني أن هذا الطريق مسوغ أن نتخلى عن المطلب السابق - فلم لا تجعله مرحلة وسطية انتقالية ، لماذا لا تقول: أنا غير ملتزم لكني مسلم فما الذي يمنع مثلًا من أن أعفي لحيتي وإن كنت غير ملتزم لأن المسلم مطالب بذلك ؟ ما الذي يمنع من أن أحافظ على صلاة الفجر؟ ما الذي يمنع من أن أفعل النوافل ؟ ما الذي يمنع من أن أقرأ القرآن ؟ من أن أشارك في أمور الخير؟ ولو كنت من غير أهل الاستقامة ، ولست من هل الالتزام والطاعة .
هذه الخطوة مهمة، وقد تقودك إلى الانتقال إلى المرحلة الأخرى ، وقد تجعلك أكثر قدرة على سلوك الطريق الذي نطالبك به ، وعندما نطالبك نحن بهذا المطلب لا يعني أن نتخلى عن مطلبنا الأول فهو مطلب ملح وهو الأصل ، ولكن إذا لم تلب هذا المطلب أو عجزت أو فشلت فلا يعني هذا أبدًا أنك أصبحت شخصًا آخرَ ، أو أنك شخصٌ غير مكلف ، أو كما يقول أهل الأصول: غير مخاطب بفروع الشريعة، فأنت إن كنت غير ملتزم ومظهرك غير مستقيم فإن هذا لا يعفيك إطلاقًا من التكاليف الشرعية فكل نص شرعي سواء كان أمرًا أو نهيًا ، سنةً ، أو واجبًا ، محرمًا ، أو مكروهًا ، فأنت مطالب به وليس هناك أبدًا نصوص وأحكام خاصة بالملتزمين وأمور أخرى خاصة بغير أولئك .
كن من أهل العافية