فهرس الكتاب

الصفحة 14412 من 27345

كنا قد طلبنا في تلك المحاضرة من الشاب أن يودع طريق الغفلة وأن يسلك طريق الاستقامة, وحاولنا قدر الإمكان أن نحشد ألوانًا من الحجج والأدلة العقلية والمنطقية ، الأدلة المستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، حاولنا أن نتحدث مع الشاب لنحشدله الكثير من المؤيدات والحجج والبراهين التي تؤيد مطالبنا المشروعة ، و ها نحن الآن نخاطبه بلغة أخرى ومنطق آخر، ولكن هذا لا يعني أننا تخلينا عن مطلبنا الأول ، فلا زلنا نطالب وبصوتٍ عالٍ وبصوت مُلِح لا زلنا نطالب جميع هؤلاء الشباب أن يعودوا إلى طريق الاستقامة والصلاح، وأقول أن يعودوا وليس أن يسلكوا ، لأن هذا هو الأصل وهذا هو طريق الفطرة ولن نزال أيضًا على هذا المطلب وسنزال عليه مهما خاطبناك بلغة أخرى، لا زلنا نطالبك بالتوبة ، ولا زلنا نطالبك بالعودة إلى الطريق الصحيح وإلى المسار السليم، ألا وهو الاستقامة على شرع الله عز وجل وسنزيد إلحاحًا وسنزيد مطالبةً ، ونشعر أن من محبتنا لك ومن حقك علينا أن نزيد في المطالبة والإلحاح ، إنك ترى رجلًا يطلب من إنسان دَيْنًا أو حقًّا فتراه يلح في مطالبته وتراه يحاول أن يستعين بالشفعاء والوسطاء ويسلك آلاف الأساليب والحيل للمطالبة بحقه ، وأنت ترى أنه يطالب بحق مشروع بالله عليك أينا أكثر حقًّا وأولى بالإلحاح.؟ . أتصور أن مطالبنا أكثر مشروعية من مطالب ذلك الذي يلح بمطالبة دَينه ، فذاك رجل يطلب حقًا شخصيًّا له أما نحن فنطلب منك إسعادك ، نطلب منك أن تسلك طريقًا أنت وحدك المستفيد منه وأنت وحدك الخاسر حين ترفضه . . . أينا أكثر مصداقية في مطلبه ؟ أي المطلبين أكثر مشروعية ؟ .

لا زلت مسلمًا

هناك وهم كاذب يسيطر على البعض من الشباب وهو ما أشرت إليه في مقدمة حديثي ، يتصور الشاب أن أمامه خياران ، الخيار الأول: هو أن يتوب ويسلك طريق الالتزام والاستقامة ، ويعني هذا أن تنقلب حياته رأسًا على عقب ، فيبدأ يحافظ على الأوامر ويبدأ بفعل النوافل ويحرص عليها ، يبدأ يجتنب المحرمات والمعاصي ، يبدأ بتغيير تفكيره ومنهج حياته، يصيبه انقلاب كامل في جوانب حياته هذا هو الخيار الأول ، الخيار الثاني: عند الفشل في تحقيق هذا الخيار لسبب أو لآخر هو لا يزال مقتنعًا أن هذا هو الطريق الذي يجب أن يسلكه وأنه سيسلك هذا الطريق يومًا من الأيام ، لكنه فشل إما لضعف شخصيته ، أو لحواجز وهمية أو لسبب أو لآخر ، القضية إذن أمامه الخيار الآخر ، هو أن يبقى على ما هو عليه حينئذ يتصور أنه ما دام غير ملتزمٍ فله لغة أخرى ، ما دام غير ملتزم فمن حقه أن يضيع وقته ، ألا يحافظ على الصلاة ، ما دام غير ملتزمٍ مثلًا فليس مطالبًا بأن يفعل النوافل ، ليس مطالبًا أن يقرأ القرآن ، ليس مطالبًا بهذه المطالب …، ونرى هنا النقلة البعيدة والفرق الشاسع جدًّا بين هذا الشاب وهو في طريق الغفلة والإعراض ، وعندما يسلك طريق الالتزام ترى نقله بعيدة جدًّا ، أليس هناك حل ثالث وخيار ثالث نختصر فيه هذه النقلة ؟

قد تطالب الشاب أن يتخلى عن استماع الغناء وعن مشاهدة الأفلام ، تطالبه بالمحافظة على صلاة الفجر، تطالبه بأن يفعل السنن الرواتب، أن يقرأ القرآن ، فكأنه يستغرب هذا المطلب ويقول لك: يا أخي أنا لست ملتزمًا أنا غير مستقيم !! وحين لا يقول هذا الكلام بلسان المقال يقوله بلسان الحال ، من أين هذا الوهم ؟ ولماذا لا نفترض طريقًا ثالثًا ومرحلة ثالثة ؟ إنك قد تقول لي إن عندك عوائق .. ، عندك أعذار..، عندك أسباب تمنعك من طريق الاستقامة …، لكن إذا لم تسلك هذا الطريق فثم طريق ثالث - هذا لا يعني أن هذا الطريق مسوغ أن نتخلى عن المطلب السابق - فلم لا تجعله مرحلة وسطية انتقالية ، لماذا لا تقول: أنا غير ملتزم لكني مسلم فما الذي يمنع مثلًا من أن أعفي لحيتي وإن كنت غير ملتزم لأن المسلم مطالب بذلك ؟ ما الذي يمنع من أن أحافظ على صلاة الفجر؟ ما الذي يمنع من أن أفعل النوافل ؟ ما الذي يمنع من أن أقرأ القرآن ؟ من أن أشارك في أمور الخير؟ ولو كنت من غير أهل الاستقامة ، ولست من هل الالتزام والطاعة .

هذه الخطوة مهمة، وقد تقودك إلى الانتقال إلى المرحلة الأخرى ، وقد تجعلك أكثر قدرة على سلوك الطريق الذي نطالبك به ، وعندما نطالبك نحن بهذا المطلب لا يعني أن نتخلى عن مطلبنا الأول فهو مطلب ملح وهو الأصل ، ولكن إذا لم تلب هذا المطلب أو عجزت أو فشلت فلا يعني هذا أبدًا أنك أصبحت شخصًا آخرَ ، أو أنك شخصٌ غير مكلف ، أو كما يقول أهل الأصول: غير مخاطب بفروع الشريعة، فأنت إن كنت غير ملتزم ومظهرك غير مستقيم فإن هذا لا يعفيك إطلاقًا من التكاليف الشرعية فكل نص شرعي سواء كان أمرًا أو نهيًا ، سنةً ، أو واجبًا ، محرمًا ، أو مكروهًا ، فأنت مطالب به وليس هناك أبدًا نصوص وأحكام خاصة بالملتزمين وأمور أخرى خاصة بغير أولئك .

كن من أهل العافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت