فهرس الكتاب

الصفحة 14442 من 27345

ولعل من المناسب ذكر بعض اللقطات التاريخية لبدايات اللقاء والتعارف بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبين أبناء يثرب من الأوس والخزرج ما يساعد على تحليل شخصية ابن سلول الانشطارية بين المؤمنين واليهود ، و المزدوجة بين الإيمان والكفران .

ففي اللقاء الأولى ( بيعة العقبة الأولى ) الذي انعقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مجموعة أهل يثرب التي كان أغلبها أو قل كلها من الخزرج قبيلة ابن سلول ، وهم كالأتي: ( أسعد بن زرارة , عوف بن الحارث ، رافع بن مالك ، قطبة بن عامر ، عقبة بن عامر ، جابر بن عبدالله . وكلهم من الخزرج) (8) .

فلقد دار في هذا المؤتمر نقاش هام حول مفاهيم هذا الدين الجديد ، ووسائله، وأهدافه، ولم يكن ابن سلول الزعيم القومي لأهل يثرب قد دعي لهذا اللقاء، بل لم يخبر بنتائج وتوصيات ذلك اللقاء لا من قريب ولا من بعيد!!

ثم انعقاد اللقاء الثاني ( بيعة العقبة الأولى ) بين الرسول القائد صلى الله عليه وسلم وشباب يثرب - رضوان الله عليهم - لمدارسة كيفية الانتقال من مرحلة الجماعة إلى مرحلة الدولة ، ومن مرحلة الدعوة والتأسيس إلى مرحلة الدولة والتمكين ، فكان حضور أهل يثرب اثنا عشر رجلا أغلبه من قبيلة الخزرج (9) .

مما لا شك فيه أن ابن سلول لم يدع لهذا اللقاء ، ولم يخبر بتوصياته كذلك ، وكأنه قد وصلته بعض المعلومات الملونة عن هذا اللقاء إلا أنه لم يلق لها بالا لما يلقه من تأييد شعبي كبير خاصة من القيادات الشبابية داخل قبيلته وحتى من الذين حضروا هذه المؤتمرات المصيرية ، فالأمر إذن ليس جد خطير على مصالحه الشخصية!!

ثم انعقد اللقاء الثالث بمنى ولم يدع له الزعيم القومي لأهل يثرب رغم وجوده بمنى كرئيس لبعثة حجاج أهل يثرب كلها (ففي موسم الحج في السنة الثالثة عشر من النبوة ، حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسا من المسلمين من أهل يثرب ، جاؤوا حجاج قومهم من المشركين ، قد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم - وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق - حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟!) (10) .

إذن هذا المؤتمر ليس كسابقيه من المؤتمرات ، فهو يدور على مناقشة الأسس التمهيدية لقيام الدولة الإسلامية على أراضى أهل يثرب ، ومن ثم كيفية تطبيق الوسائل العملية لانتقال قيادة الدولة الإسلامية إلى مقرها الجديد لمباشرة أعمالها السيادية ، وبسط نفوذها السياسية ،كما جاء ذلك على لسان أحد قيادات أهل يثرب حيث قال لهم - العباس بن عبادة -: ( هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا: نعم ، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس …) (11) .

وبعد أن تمت البيعة وأشرف اللقاء على نهايته طلب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم انتخاب قيادات عريضة تمثل كافة قطاعات الشعب اليثربي وذلك بمعزل عن القيادة الجاهلية المتمثلة في ابن سلول وغيره سحبا للبساط من تحت أقدامهم ، وبالفعل قد تم اختيار اثني عشر زعيما من أهل يثرب يشكلون الصف الأول القيادي لأهل يثرب قاطبة .إلا أن هنالك معلومات قد تسربت إلى القيادة الجاهلية مفادها: أنه قد تم تشكيل قيادات إسلامية جديدة بديلة عن القيادات الجاهلية القديمة ، والسعي لإقامة دولة إسلامية على أراضى يثرب ، فلما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان … فما أن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب ، ليقدم احتجاجه الشديد على ذلك المؤتمر السري الخطير !!

فقال الوفد المكي: ( يا معشر الخزرج ، أنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حربنا … فقام ابن سلول ، فجعل يقول: هذا باطل ، وما كان هذا ، وما كان قومي ليفتاتوا على بمثل هذا ، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني ) !!

من هنا . تأكدت المعلومات الملونة السابقة في ذهن ابن سلول الزعيم القومي كخطوط عريضة دون تفصيل عن ماهية أوراق العمل التي نوقشت خلال جلسات المؤتمر التأسيسي ، لذلك فقد أخذ في اعتباره - إن صدقت هذه المعلومات - خطورة هذه المؤتمرات ومآلاتها على مكانته القيادية والاجتماعية والاقتصادية في الفترة القادمة ، فلابد إذن من أخذ الحذر والاحتياط من تحركات القيادة الشبابية المشبوهة ، والاستعداد لمواجهة أهداف وتوصيات تلك المؤتمرات السرية بعقلية احتوائية تحفظ المصالح الاقتصادية ، وترعى المكانة السياسية والاجتماعية .

فعندما انتقلت قيادة الدولة الإسلامية إلى المدينة المنورة مقر الدولة الإسلامية الجديدة ، شعر - ابن سلول - بأن القيادات الشبابية اليثربية قد اختارت قيادة بديلة عنه وتجاوزته ، وأن مشروعه السلطوي هو الأخر قد تجاوزه الزمن وأصبح جزءا من الماضي والتاريخ فأصيب ، والحالة هذه بمرض حاد في الشخصية يسمى في علم النفس الشخصي بمرض ( الازدواجية ، أو الانشطارية ) (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت