... (( تفترق أمتي على ثلاثٍ و سبعين ملَّة ، كلُّهم في النار إلاَّ ملَّة واحدةٌ ) )، قالوا: و من هي يا رسول الله ؟ قال: (( ما أنا عليه و أصحابي ) )، أخرجه الترمذي و غيره بإسناد حسن .
... قال ابن كثير رحمه الله ( في تفسيره: 4 / 433 ) : (( هم أهل السنة و الجماعة المتمسكون بكتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلّم ، و بما كان عليه الصدر الأول من الصحابة و التابعين ، وأئمة المسلمين ) ).
... و لمَّا كان أهل الحديث خاصةً أثبت الناس على السنة ، و أكثرهم تمسكًا و اعتصامًا بما كان عليه النبي صلّى الله عليه و سلّم و صحابته الكرام ، ذهب غير واحدٍ من أهل العلم و التحقيق إلى الجزم بأن أهل السنة و الجماعة ، و الطائفة المنصورة ، هم أهل الحديث و الأثر .
... أخرج الخطيب ( في شرف أصحاب الحديث , ص: 26 ) أنّ عبد الله بن المبارك رحمه الله قال: (( هم عندي أصحاب الحديث ) ).
... و في ( ص: 25 و 27 منه أيضًا ) روى عن الإمام أحمد رحمه الله قوله: (( إن لم يكونوا أصحاب الحديث ، فلا أدري من هم ) ).
... و قال الإمام الترمذي رحمه الله في كتاب الفتن من سننه: سمعت محمد بن إسماعيل - يريد البخاري - يقول: سمعت علي بن المديني يقول ، وذكر هذا الحديث عن النبي: (( لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق ) ): هم أهل الحديث .اهـ .
... و ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ( في الغنية: 1 / 71 ) ، أنه ليس لأهل السنة إلا اسم واحدٌ يُعرفون به ، و هو أصحاب الحديث .
... و رُوي مثل هذا عن غير واحدٍ من السلف رحمهم الله ، ورضي عنهم .
... و إنَّما حاز أهل الحديث هذا الشرف العظيم ، لكونهم جمعوا بين الرواية والدراية ، إلى جانب العمل بما جاء في الأثر ، عن خير البشر عليه الصلاة و السلام ، و اعتقاد ما أرشد إليه .
أمّا من خالفت روايته عقيدته و منهجه و عمله فلا يسلم من الابتداع ، و في هذا السياق جاء قول أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله ( كما في الفتاوى و المسائل , ص: 213 ) : (( قد يكون الإنسان من أهل الحديث و هو مبتدع ) ).
... و قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( في مجموع الفتاوى: 4 / 95 ) :
... (( و نحن لا نعني بأهل الحديث ، المقتصرين على سماعه ، أو كتابته ، أو روايته ، بل نعني بهم كلَّ من كان أحقَّ بحفظه ، و معرفته ، و فهمه ، ظاهرًا ، وباطنًا واتباعه باطنًا ، و ظاهرًا ، و كذلك أهل القرآن ، و أدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن و الحديث ، و البحث عنهما ، و عن معانيهما ، و العمل بما علموه من موجَبهما ) ).
... و قد سمي أهل السنة ِ أهلَ الحديث ، لأنهم حفظته ، و نقلته ، و حَمَلته . قال اللالكائي ( في شرح أصول الاعتقاد: 1 / 22 ) :
... (( لم نجد في كتاب الله و سنة رسوله ، و آثار صحابته ، إلا الحثَّ على الاتباع ، و ذم التكلف و الاختراع ، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين و كان أولاهم بهذا الوسم ، و أخصهم بهذا الرسم أصحاب الحديث ، لاختصاصهم برسول الله صلى الله عليه و سلّم , و اتباعهم لقوله ، و طول ملازمتهم له ، و تحملهم علمه ) ).
... و الفرق التي تزعم الانتساب إلى أهل السنة و الجماعة ، و تدعي الاعتصام بخير الهديِ ، هديِ محمد صلى الله عليه و سلّم في أصول الدين و فروعه ، كثيرة جدًا ، (( غير أن الله أبى أن يكون الحق و العقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث و الآثار ، لأنهم أخذوا دينهم و عقائدهم ، خلفًا عن سلف ، و قرنًا عن قرن ، إلى أن انتهوا إلى التابعين ، و أخذه التابعون عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة و السلام عن رسول الله صلى الله عليه و سلّم ، و لا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله الناس من الدين القويم ، و الصراط المستقيم ، إلاَّ هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث ، أمَّا سائر الفرق ، فطلبوا الحديث لا بطريقه فحادوا عن الحق ، و زاغوا عنه ) )، كما قرر ذلك الأصفهاني ( في الحجة في بيان المحجّة: 2 / 22 و ما بعدها ) .
و بعد هذا العرض المسهب لبيان أهل الحق أرى من المناسب أن أردفه بجملة من المسائل تعميمًا للفائدة ، و تقريرًا لما أدين الله تعالى به ، و ما كنت لأخالف في شيء من ذلك منهج أهل السنّة و الجماعة أو أخالف أهل العلم أتباع الكتاب و السنّة على فهم السلف من أهل العلم المعاصرين الأجلاء .
المسألة الأولى: حول تسمية أهل الحق ، فقد عرفوا منذ عصر صدر الإسلام زمن الخلفاء الراشدين بأهل السنّة ثم احتيج لتحديد المراد بهذا الوصف بعد أن زعم بعض المبتدعة الانتساب إلى السنّة ، فقيل هم أهل العلم ، و قيل هم أهل الحديث ، و قيل هم الجماعة ، و قيل غير ذلك و كل ذلك حقّ لا مرية فيه إذ إنّ العبرة بالمنهج و ليس بالمسمّيات .