فهرس الكتاب

الصفحة 14817 من 27345

قال الإمام مالك رحمه الله: ما أفتيت حتى شهِدَ لي سبعون أني أهلٌ لذلك ) ، و في روايةٍ: ( ما أفتيتُ حتى سألتُ من هو أعلم مني: هل يراني موضعًا لذلك ؟ ) ، و قال أيضًا: ( لا ينبغي لرجُلٍ أن يرى نفسَه أهلا لشيءٍ ، حتى يَسألَ من هو أعلم منه ) [ آداب الفتوى للنووي ص: 18 ] .

أمّا اتّخاذ التيسير منهجًا في الفتوى ، على النحو الذي نراه اليَوم من بعض المشائخ ، فهو ممّا عمّت به البلوى ، و ابتلي به كثير من المسلمين ، و بخاصةٍ أولئك الذين اجتمعت عليهم غربةُ الزمان و المكان في الغرب ، و في النفس من هذا المنهج أشياءٌ و أشياءٌ .

و هاهُنا جُملة مسائل ذات صلةٍ بموضوع التساهل و التيسير في الفُتيا أرى لزامًا عليّ بيانُها في هذا المقام ، إذ إنّ تأخير البيان عن وقتِ الحاجة لا يجوز شرعًا ، و لا يسوغ عقلًا ، و من أراد الاستزادة أحَلنَاهُ إلى كُتُب الأقدمين ، و إن أرادَ خُلاصتها فعليه برسالتنا المسمّاة ( الفتاوى المُعاصرة .. بين التيسير و المسايرة ) ففيها مزيد بيان للمسائل التالية و غيرها:

المسألة الأولى:

الإفتاء منصب خطير ، و لذلك كان أورَعُ الناس أزهدَهم فيه ، و إذا كان الأجرؤ على الفتوى الأجرأَ على النار ، فلا غَروَ في أن يعزُفَ عنها خيار السلفِ و الخَلَف ، ما لم تصير عليهم مُتعيّنةً ، خشيةً أن يشملهم عموم قول الله عز و جلَّ: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَ حَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ) [ يونس: 59 ] .

قال أبو القاسم الزمخشري رحمه الله: ( كفى بهذه الآية زاجرة زجرًا بليغًا عن التجوُّز فيما يُسأل عنه من الأحكام ، و باعثةً على وجوب الاحتياط فيه ، و أن لا يقول أحد في شيءٍ جائزٍ أو غيرَ جائزٍ ؛ إلا بعد إيقانٍ و إتقانٍ ، و من لم يوقِن فليتَّق الله ، و ليصمِت ، و إلا فهو مفترٍ على الله ) [ الكشّاف: 2 / 242 ] .

و أخرج الدار مي في مقدّمة سننه عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ مرسلًا أنّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: « أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَأُكُمْ عَلَى النَّارِ » .

و قال الإمام النووي رحمه الله: اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كبير المَوقِع ، كثيرُ الفضلِ ؛ لأن المفتي وارثُ الأنبياءِ صلوات الله و سلامه عليهم و قائم بفرض الكفاية لكنه معرض للخطأ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت