و لهذا قالوا: المفتي مُوقِّعٌ عن الله تعالى ، و رُوِّينا عن ابنِ المُنكدِر قال: العالمُ بينَ اللهِ تعالى و خَلْقِهِ ، فلينظُر كيف يدخُل بينَهم ، و رُوِّينا عن السلف و فضلاء الخَلَف مِنَ التوقُّف عن الفُتيا أشياء كثيرة معروفة نذكر منها أحرُفا تبركًا و رُوّينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال أدركت مائةً و عشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يُسأل أحدهم عن المسألة ؛ فيردها هذا إلى هذا و هذا إلى هذا حتى ترجِعَ إلى الأول ، و في روايةٍ: ما مِنهُم من يُحدِّث بحديث إلا وَدَّ أن أخاهُ كفاهُ إيَّاهُ ، و لا يُستفتَى عن شيءٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفُتيا ، و عن ابن مسعود و ابن عباس رضي الله عنهم: من أَفْتَى في كُلِّ ما يُسأل فهو مجنون ، و عن الشَّعبي ، و الحَسَن ، و أبي حُصَين التابعِيَّيْن قالوا: إنَّ أحدكم ليُفتي في المسألة ، و لَو وَرَدَت على عُمَر بنِ الخطاب رضي الله عنه ؛ لجمع لها أهل بدر ، و عن عطاءِ بنِ السائب التابعيِّ: أدركتُ أقوامًا يُسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم و هو يَرْعَدُ ، و عن ابن عباسٍ ، و محمد بن عجلان: إذا أَغْفَلَ العالِمُ لا أدري أُصيبَتْ مَقَاتِلُه ، و عن سُفيَان بن عيينة ، و سَحنُون: أَجسَرُ النّّاسِ على الفُتيا أقَلُّهم عِلمًا ، و عن الشافعي ، و قد سُئِل عن مسألةٍ فلم يُجِب ، فَقِيلَ له ، فقال: حتى أدري أنَّ الفضلَ في السكوتِ أو في الجواب . و عن الأثرَمِ: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يُكثِر أن يقول: لا أدري ، و ذلك فيما عَرَفَ الأقاويلَ فيه ، و عن الهيثم بنِ جميلٍ: شهدتُ مالكًا سُئِلَ عن ثمانٍ و أربعينَ مسألةٍ ، فقال: في ثِنتَين و ثَلاثين منها: لا أدري ، و عن مالكٍ أيضًا أنَّهُ رُبَّما كان يُسأل عن خمسين مسألة فلا يُجيب في واحدةٍ منها ، و كان يقول: مَن أجاب في مسألةٍ فينبغي قبلَ الجواب أن يعرِضَ نفسَه على الجنَّةِ و النّار ، و كيفَ خَلاصُهُ ، ثُمّ يُجيب ، و سُئِل عن مسألة ، فقال: لا أدري ، فقيل: هي مسألةٌ خفيفة سهلة ، فغضب و قال: ليس في العلم شيءٌ خفيفٌ ، و قال الشافعي: ما رأيتُ أحدًا جمعَ الله تعالى فيه من آلةِ الفُتيا ما جَمَع في ابن عُيَيْنَة أسكتَ منهُ على الفُتيا ، و قال أبو حنيفة: لولا الفَرَق ( و هو الخوف ) مِن الله تعالى أن يَضيعَ العلم ؛ ما أفتيت ، يكون لهم المَهْنأ و علَيَّ الوِزرُ ، و أقوالُهُم في هذا كثيرة معروفة .اهـ. [ آداب الفتوى ، للإمام النووي ، ص: 13 و ما بعدها ] .
و لعلّ من المناسب في هذا المقام أن أذكّر نفسي و إخواني بما أورده الشيخ منصور بن يونس البهوتي [ في كشاف القناع في الفقه الحنبلي: 6 / 299 ] من توجيه سديد يُزهّد في التصدّر للفتوى لمن لا قبل له بها ، و من لم يستوفِ شروطها ، و ترشد من تبوّأها إلى ما ينبغي أن تكون عليه حاله فيها ، بعدَ أن ذَكرَ بعضَ ما أورَده الإمام النووي فيما نقلناه آنِِفًا ، إذ قال: و أنكر الإمام أحمد و غيره على من يهجُمَ على الجواب لخَبَرِ: ( أجرؤُكم على الفتيا أجرؤكم على النار ) .
و قال أحمد: ( لا ينبغي أن يجيب في كل ما يُستَفْتَى فيه ) .
و قال: ( إذا هابَ الرجلُ شيئًا لا ينبغي أن يُحمَل على أن يقول ) .
و قال: ( لا ينبغي للرجل أن يُعَرِّضَ نفسَهُ للفُتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
• إحداها: أن تكون له نيّةٌ ، أي: أن يُخلص في ذلك لله تعالى ، و لا يقصد رياسةً ، و لا نحوَها ، فإن لم يكن له نيّةٌ لم يكن عليه نُورٌ ، و لا على كلامه نور ، إذ الأعمالُ بالنيّات ، و لكل امرئ ما نوى .
• الثانية: أن يكون له حِلمٌ و وَقار و سكينة ، و إلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له ؛ من بيان الأحكام الشرعية .
• الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه ، و على معرفَتِهِ ، و إلا فقد عرَّض نفسه لعظيم .
• الرابعة: الكفايةُ ، و إلا أبغَضَهُ الناسُ ، فإنّه إذا لم تكن له كفايةٌ احتاج إلى الناس ، و إلى الأخذِ ممّا في أيديهم ؛ فيتضررون منه .
• الخامسة: معرفةُ الناس ؛ أي: ينبغي له أي للمفتي أن يكون بصيرا بمكر الناس و خِداعِهِم ، و لا ينبغي له أن يُحسِن الظن بهم ، بل يكون حذِرًا فَطِنًا مما يصورونه في سؤالاتهم ، لِئَلا يوقِعُوه في المكروه .اهـ من كشّاف القناع .
و ممّا جاء في تحرّز السلف من الإفتاء ما أورده الحافظ المناوي رحمه الله [ في فتح القدير: 1 / 158 ] ، و منه بعض ما تقدّمَ ، و زاد عليه:
و كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا سُئِل قال: ( اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلَّد أمرَ الناس فضعها في عنقه ) ، و قال أيضًا: ( يُريدون أن يجعلونا جسرًا يمُرُّونَ علينا إلى جهنم ) .