الانشغال بنقد الآخرين بأن هذا لا يحسن أن يلقي درسًا، وذاك لا يعرف أن يكتب مقالًا، وفلان لا يصلح أن يشرف على عمل... الخ: قال الحسن البصري في وصف أناسٍ مثل هؤلاء لما وجدهم قدِ اجتمعوا في المسجد يتحدثون:' إن هؤلاء ملوا العبادة، ووجدوا الكلامَ أسهلَ عليهم، وقلَّ ورعُهم؛ فتحدثوا ' . وقال الوليد بن مزيد: سمعت الأوزاعي يقول:' إن المؤمنَ يقولُ قليلًا، ويعملُ كثيرًا، وإن المنافقَ يتكلمُ كثيرًا، ويعملُ قليلًا'' سير أعلام النبلاء [7/125] '.
قال النسابةُ البكريُّ لرؤبةَ بنِ العجاج:' ما أعداء المروءة؟ قال: تخبرني، قال: بنو عمِّ السوء: إن رأوا حسنًا ستروه، وان رأوا سيئًا أذاعوه'' مفتاح دار السعادة لابن القيم 1 / 168'.
يمشون في الناس يبغون العيوبَ لمن لا عيب فيه، لكي يستشرفَ العطبُ
إن يعلموا الخيرَ يخفوه، وإن علموا شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
ومن أعراض هذا المرض أيضًا: التهويلُ والمبالغةُ، واستعمال العدسةِ المكبرةِ للتفتيش عن صغائرِ الغَير.
قال أبو هريرة رضي الله عنه:' يبصر أحدُكم القذاةَ في عين أخيه، وينسى الجذلَ أو الجذعَ في عين نفسه'.
إبرازُ الشخصياتِ المتقاعسةِ وتعليلُ النفس بهم، وأنه ليس الوحيدَ في هذا المجال: ونسي هذا الأخ بأنه يدفن وحدَه، ويبعثُ يوم القيامة وحده، وسيقفُ بين يدي الله وحده، فيومئذ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ... [52] { 'سورة غافر' نسي هذا أنه في مضمار مسابقة، وقد لام الله تعالى القاعدين فقال سبحانه:} رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ... [87] 'سورة التوبة'. قال إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد:' ولقد صحبته عشرين سنةً صيفًا وشتاءً وحرًا وبردًا وليلًا ونهارًا، فما لقيته في يوم إلا وهو زائدٌ عليه بالأمس'' مناقب أحمد لابن الجوزي ص140'. وذكر جرير بن عبد الحميد:' أن سليمان التيمي لم تمر ساعةٌ قطُّ عليه إلا تصدقَ بشيء، فإن لم يكن شيءٌ، صلى ركعتين'' سير أعلام النبلاء 6\199'.
الحساسيةُ المرهفةُ من النقدِ أو اللومِ: فالبعض لا يريدُ أن يلامَ أو يحاسبَ، أو ينتقدَ، فإذا واجه ذلك؛ تأثرَ وانقطعَ عن العمل، إما بالشعور بالإحباطِ بأنه لا يحسنُ، أو أنه وصل إلى مقامٍ لا ينبغي أن ينتقدَ، أو أن مثلَ فلان كيف يوجهُهُ وينتقدُهُ.. وأين هذا من عمر رضي الله عنه حيث قال: رحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا!. وقال بلال بن سعد لصاحبه:' بلغني أن المؤمن مرآةُ أخيه، فهل تستريبُ من أمري شيئًا؟'' زهد ابن المبارك /485' . وقال بعض السلف:' من حق العاقلِ أن يضيفَ إلى رأيه آراءَ العلماء، ويجمعَ إلى عقلِهِ عقولَ الحكماء، فالرأي الفذُّ ربما زلَّ، والعقل الفردُ ربما ضل'.
قد يتساقط أناسٌ بسبب أنه لا يذكرُ عملُهم أو ينوهُ به أو يحمدون عليه: وكأن عملَهم للناس، كأن يقول: ليس هنا أحدٌ يقدرُ الجهودَ، أو ينظر في النتاج، أو يحترمُ العاملين، وما عندنا أحد ينزلُ الناسَ منازلَهم!! وصدق الربيع بن خيثم رحمه الله حيث قال:' كل ما لا يراد به وجهُ الله ؛ يضمحل'' طبقات ابن سعد 6/186'. وقال ابن الجوزي:' والصدقُ في الطلب منارٌ أين وجد يدلُّ على الجادة وإنما يتعثرُ من لم يخلص'' صيد الخاطر ص355'.. قال تعالى: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [9] 'سورة الإنسان'.
تفريغُ الطاقة في التناجي: بأن يناجي شخصًا بأن شيخَه ليس مؤهلًا، أو ليس عندَه برامجُ تواكبُ التطور، أو لا جديدَ عنده، فإذا وافقه صاحبُهُ على ذلك انتقل إلى آخر، فيحدثه بمثل ذلك الحديث.
وليس عنده بدائل يطرحُها ولا برامجُ يقترحها، وإنما حمله الحسدُ، أو السآمةُ من العمل، أو حبُّ الرياسة والظهور، أو لا يريد أن ينقطعَ عن القافلة وحده .. قال السري: ما رأيت شيئًا أحبطَ للأعمال، ولا أفسدَ للقلوب، ولا أسرعَ في هلاك العبد، ولا أدومَ للأحزان، ولا أقربَ للمقت، ولا ألزمَ لمحبة الرياء والعجب والرياسة من قلة معرفة العبدِ لنفسه، ونظرِهِ في عيوب الناس'.
وتنافر القلوب لا يتعدى الأسباب التالية: فلتةُ لسان، أو هفوةٌ لم تغتفر، أو ظنٌّ متوهم.
قال ابن القيم رحمه الله: من قواعد الشرع، والحكمة أيضًا، أن من كثرت حسناتُه وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، وعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماءِ القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث.
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:' وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ' رواه البخاري ومسلم.