فهرس الكتاب

الصفحة 1484 من 27345

وهذا هو المانع له صلى الله عليه وسلم من قتل من جَسَّ عليه، وعلى المسلمين، وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدرًا، فدل على أن مقتضى عقوبتِهِ قائمٌ، لكن منع من ترتبِ أثرِهِ عليه ما له من المشهد العظيمِ، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات، ولما حض النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فأخرج عثمان رضي الله عنه تلك الصدقةَ العظيمةَ قال:' مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ' رواه الترمذي وأحمد. وقال لطلحة لما تطأطأ للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد على ظهره إلى الصخرة:' أَوْجَبَ طَلْحَةُ' رواه الترمذي وأحمد ' 'مفتاح دار السعادة 1/176' .

من ذا الذي ترضا سجاياه كلُّها كفى المرءَ نبلًا أن تعد معايبُه

التنقلُ في الأعمال الخيرية على هيئة المذواق: كلُّ يوم في عمل، وله كل يوم منهجٌ وطريقةٌ، يمدح ذاك العملَ حينًا، ثم ينتقل إلى غيره مقدمًا الجديدَ عليه حينًا آخر، وفي الأخيرِ يسقط؛ لأنه لا يرضيه شيءٌ وقد جرب كلَّ ميدان! ولو أخذ ما يناسبه والأفضلَ في حقه؛ لنال خيرًا كثيرًا، قال ابن القيم: وهاهنا أمرٌ ينبغي التفطنُ له: وهو أنه قد يكون العملَ المعيَّنُ أفضلَ منه في حق غيره، فالغني الذي بلغ له مالٌ كثيرٌ ونفسُه لا تسمحُ ببذل شيء منه فصدقتُه وإيثارُه أفضلُ له من قيام الليل وصيام النهار نافلة، والشجاع الشديد الذي يهاب العدوُّ سطوتَهُ: وقوفُهُ في الصف ساعة، وجهادُهُ أعداءَ الله أفضلُ من الحج والصوم والصدقة والتطوع. والعالمُ الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرقَ الخير والشر: مخالطتُهُ للناس، وتعليمُهم ونصحهم في دينهم أفضلُ من اعتزاله، وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح . ووليُّ الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده: جلوسُهُ ساعةً للنظر في المظالم، وإنصافِ المظلومِ من الظالم وإقامةِ الحدود ونصرِ المحقِّ وقمعِ المبطل أفضلُ من عبادة سنين من غيره، ومن غلبت عليه شهوةُ النساء فصومه له أنفعُ وأفضلُ من ذكر غيره وصدقته'' عدة الصابرين لابن القيم / 93'.

التنقل بين الشيوخ أو الجماعات أو الأفكار: قال عمر بن عبد العزيز: 'من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل' . فيملُّ فيتركُ الخيرَ كله، أو يصابُ بشكوك واضطراب في آرائه وأفكاره وتوجهاته، فيصبح يشك في كل من حوله.

فالثباتُ على منهج سليم فيما يعود على الإنسان من خيري الدنيا والآخرة؛ يقي الإنسانَ من التردد والتغيرِ؛ والتنقلِ والحيرة.

فإذا علمت أنك على الحقِّ، ومتمسكٌ بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومتبعٌ لمنهج السلف الصالح؛ فلا يضيرك مخالفةُ غيرك, ولا يضعفك عن مسيرك فتنةٌ، ولايوقفُك عنه ابتلاء.

الخوف والهلع من المخلوقين: فتتحول مراقبتُهُ وخوفُهُ ورجاؤه إلى الخلق، ويوسوس له الشيطان في كلِّ عمل أو حركةٍ بأنه مؤاخذٌ به ومؤدبٌ عليه، فيترك كثيرًا من الأعمال الصالحة، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر؛ فتتطبعُ نفسُه ذلك، حتى لا يتمعر وجهُه في ذات الله أبدًا!! قال تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [175] 'سورة آل عمران' . 'إن من غفلتِكَ عن نفسك، وإعراضِك عن الله، أن ترى ما يسخطُ اللهَ فتتجاوزه، ولا تأمرَ فيه ولا تنهى عنه، خوفًا ممن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا''الجواب الكافي لابن القيم / 44'.

ضعفُ الصلة بالله تعالى: فيقلُّ نصيبُهُ من نوافل الصيام والصلاة والصدقة، فإذا قل زادُهُ، وانتهى وقوده؛ تعطل من العمل، ولهذا كان السلف الصالح من أحرص الناس على تربية أنفسهم على التزود من الطاعات.

الزواج: وكثيرًا ما يقع لمن تأخر عن الزواج، أو من يعدد بعد زوجة تؤذيه، فينشغلُ بلذة الشهوةِ عن الدعوة.

عدم التوازنِ في جوانب العبادةِ وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه: كما قال صلى الله عليه وسلم:' فَقَالَ إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ' رواه البخاري والترمذي-واللفظ له- .

'فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ' فينشغل بجوانب الخير وطرقه، وينسى بعضَ الواجبات عليه، أو يغفلُ عنها، أو يهملها، أو لا يلقي لها بالًا. وفجأة يرى نفسه- مثلًا- مفرطًا في بر الوالدين وصلة الأرحام، أو في جانب ولده وأهله، وأنه لم يقم بتربيتهم على الوجه المطلوب، أو غير ذلك من الأمور؛ فيحمٍلُ ذلك على انشغالِهِ بالدعوة، فيفتر ويتركها.

ولو أن هذا الأخَ وازنَ بين الواجبات والمستحبات، وأعطى كل ذي حق حقه ونصيبَهُ؛ ما ترك شيئا من طرقِ الخير وأهملَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت