دخولُهُ في عمل لا يتلاءمُ مع شخصيته وتكوينه وطاقاته وقدراته: فيفشل، فيصاب بإحباط؛ فيدع العمل، ولا يحاول التغيير. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ـ متباينين في الطاقات والقدرات، وكل أخذ بالعمل الذي يحسنه، وما رؤي أحد منهم عاطلًا عن العمل، فخالد سيف الله المسلول، وأقرؤكم أُبَي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وهذا أبو ذر رضي الله عنه من أكبر المؤثرين في الدعوة، حتى أسلمت جلُّ غفار على يديه، ومع ذلك لا يصلح للإمارة كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يريد عملًا يتوافق مع خواطره وتخيلاته: وهذا العمل غيرُ متمثل في واقعه، أو غيرُ ممكن تطبيقه؛ فتتحول نظراتُهُ وخواطرُهُ إلى خيالات مثالية، ويعتذر بها عند كل من يطلب منه أن يشارك في خير، أو إصلاح. . قال ابن مسعود:' إذا أراد الله بعبد خيرًا سدده وجعل سؤاله عما يعينه وعلّمه فيما ينفعه'' الإبانة 1 / 419'.
استعجالُ الثمرة واستبطاءُ الطريق: ونسي أنه وقف لله تعالى، يذهب مع مرادات محبوبه أينما توجهت ركائبها، لا يبتغي لها أجرًا، ولا ينتظر منها ذكرًا، قالت فاطمة بنت عبد الملك تصف زوجَها عمرَ بن عبد العزيز:' كان قد فرغ للمسلمين نفسَهُ، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه وصل يومَهُ بليلته'.
الانفصالُ عن الأخيار العاملين: فيبقى يصارع الشيطان وحده، فيجتمع عليه الهوى، والنفسُ الأمارةُ بالسوء، والشيطانُ حتى يغلبوه، وهذا السر في قوله صلى الله عليه وسلم:' ...فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ' رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وقد كان السلف لا يراهنون على إخوانهم أبدًا حتى وصل بهم الأمر أن يقرنوهم بالصلاة في أهميتها وعظمها:
? عن محمد بن واسع قال:' ما بقي في الدنيا شيءٌ ألذُّ به إلا الصلاةَ جماعة ولقيا الإخوان''الزهد للإمام أحمد / 440'.
? وقال الحسن البصري:' لم يبق من العيش إلا ثلاثٌ: أخٌ لك تصيب من عشرته خيرًا، فإن زغت عن الطريق قومك، وكفافٌ من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة، وصلاةٌ في جمع تُكفى سهوَها، وتستوجب أجرَها' 'تاريخ بغداد 6/99'.
التفكير العقيم بأن مجالات الدعوة محدودةٌ برقم محدد وقد أغلقت كلُّها، أو أنه لا يحسنها: فيفتر، ولا يحاول التفكيرَ بأساليبَ جديدةٍ، أو يستصعبها فيتركها. ومن ظن أن أحدًا من المخلوقين كائنًا من كان يستطيع أن يغلق جميع منافذ وسبل الدعوة فقد ظن بالله ظن السوء وما قدر الله حق قدره، قال تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [8] 'سورة الصف' . قال ابن القيم:' ومن ظن إدالةَ أهلِ الكفر على أهل الإسلام إدالةً تامة؛ فقد ظن بالله ظن السوء'
عن هارون البربري قال: كتب ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز:' إني شيخ كبير رقيق، كلفتني أن أقضي بين الناس - وكان على الخراج والقضاء بالجزيرة - فكتب إليه: إني لم أكلفك ما يُعنِّيك، اِجب الطيبَ من الخراج، واقض بما استبان لك، فإذا لبِّس عليك شيءٌ، فارفعه إلي، فإن الناس لو كان إذا كبر عليهم أمرٌ تركوه، لم يقم دين ولا دنيا'' سير أعلام النبلاء 5\ 74'.وقد تسيطر على تفكيره بعض مجالات وطرق الدعوة، ويتصور أن نشر هذا الدين والدعوة إليه لا تكون إلا بها! كمن يرى أن الدعوة هي في المحاضرات، والدروس، أو نشر شريط وكتاب، ونسي الطرق الأخرى مثل الدعوة بالقدوة الحسنة، والكلمة الطيبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم وتوجيههم ونصحهم، والتلطف للناس وحسن معاملتهم الخ.
التنقل بين البلدان والاصطدام بواقع لا يعرفه: فلا يخطط للعمل في الموطن الجديد، ولا يعمل ذهنَهُ في الوسائل المناسبة، فيصطدمُ من أول يوم بوضع غير الذي يعرفُه بسبب تقصيرِه في فهم البلد وأنظمتِه، أو عاداتِ وتقاليدِ أهله، فيصاب بإحباط ويدعُ العمل. أو يتعلقُ ببلد معين ويستميت في الوصول إليه والسكن فيه بحجة أنه أفضل، أو أن البلد الذي فيه لا يستحقُّ جلوسَ أمثاله فيه. ونسي أنه عاملٌ وداعية، أرضُه وبلده التي يتمكن فيها من نشر دعوته بين الناس، وإخراجهم فيها من الظلمات إلى النور، فقد يكون بلدُ بنفسه فاضلًا على غيره، لكن المفضول أحيانًا يكون أفضلَ منه للمسلم لهذه الحيثية.