فهرس الكتاب

الصفحة 14866 من 27345

فقد رسم القرآن الكريم للمسلمين الحل الشرعي، لإنهاء النزاعات والخصومات فيما بينهم، وهو القيام بالصلح بالعدل ببين الطائفتين المقتلتين من المسلمين، وإذا بغت إحداهما على الأخرى ورفضت الصلح العادل، فالفرض على المسلمين قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، كما قال تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } [الحجرات (9) ]

فقد أوجب الله في هذه الآيات أن يقوم المسلمون بالصلح بين أي طائفتين منهم حصل بينهما خلاف بالعدل، فإذ لم يقبلوا الصلح بالعدل، فإنه عندئذ يجب على المسلمين أن يقاتلوا الفئة الباغية حتى تعود إلى صف المسلمين، وفي هذا اهتمام عظيم بالقضاء على أسباب الخلاف والشقاق بين المسلمين.

قال القرطبي رحمه الله:"قال العلماء: لا تخلوا الفئتان من المسلمين في اقتتالهما، إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعا أو لا.. فإن كان الأول فالواجب في ذلك أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما."

وأما إن كان الثاني، وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المقضي عليها بالقسط والعدل، فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة، والبراهين القاطعة على مراشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به في اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين" [الجامع لأحكام القرآن: 16/317] ."

ولقد أهمل حكام الشعوب الإسلامية هذا الحكم، كغالب الأحكام الشرعية، فترتب على إهمالهم هذه الفتن التي نزلت بالأمة.

والعجيب أن كثيرا من هذه الدول، تهمل الإصلاح بين حكام أي دولة وبعض رعاياها عندما يحصل بينهما نزاع، وتسوغ إهمالها بأنها لا تريد التدخل في الشئون الداخلية لغيرها من الدول، والغالب أن كثيرا من تلك الدول تتدخل في شئون دول أخرى، بطرق خفية أو ظاهرة، سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية، بل وعسكرية إذا لزم الأمر، ولو كانت ظالمة في تدخلها إذا ظنت أن فيه مصلحة لها.

ولقد لمسنا تجربة صلح قامت بها المملكة العربية السعودية، بين المتقاتلين اللبنانيين الذين قامت الحرب بينهم فترة طويلة من الزمن، فجمعت الأطراف المتحاربة في الطائف، ومنحتهم فرصة الحوار والمشاورة، وخرجوا في النهاية بحل وقف به نزيف الدم.

واليوم يمكن للدول العربية إذا اتفقت وصدقت، أن تجمع الأطراف المتنازعة، من العراقيين من حكومة ومعارضين، في أي بلد عربي، وتقوم بما أوجب الله تعالى عليها من الصلح بالعدل بين الطوائف المختلفة، وهذا الصلح ليس سهلا، ولكنه ليس مستحيلا، إذا خلصت النيات و استعين عليه بالصبر.

ولو قامت الدول العربية بهذا الحل الشرعي، ووقفت كلها وقفة صادقة، وتعاونت مع بقية حكومات الشعوب الإسلامية، على هذا الأمر ورفضت إعانة الأمريكان بصفة مباشرة أو غير مباشرة على عدوانها لوقت شعوبها ويلات الحروب التي تأكل الأخضر واليابس.

{ يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } [المائدة (51) ]

{ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } [المائدة (52) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت