ودليل ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في:"المسند" (1/25) وأبو داود (برقم: 3132) والترمذي (برقم: 998) وابن ماجه (برقم: 161) من حديث عبدالله بن جعفر قال: لما جاء نَعْي جعفر حين قتل قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يَشْغلهم"وحسنه الترمذي . وصححه الحاكم في:"المستدرك" (1/372) ووافقه الذهبي . قال علي القاري رحمه الله في:"المرقاة شرح المشكاة" (4/96) :" (فقد أتاهم) أي: من موت جعفر . (ما يشغلهم) بفتح الياء والغين . وقيل: بضم الأول وكَسْر الثالث . القاموس: شَغَلَه كمنعه شغلًا ، ويُضَم . وأشغله لغة جيدة ، أو قليلة أو رديئة . والمعنى: جائهم ما يَمْنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم ، فيحصل لهم الضرر وهم لا يشعرون. قال الطِّيْبي: (دل على أنه يستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لأهل الميت) أ.هـ . والمراد طعام يُشْبعهم يومهم وليلتهم ، فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يَسْتر أكثر من يوم . وقيل: يحمل لهم طعام إلى ثلاثة أيام مدة التعزية ، ثم إذا صُنِع لهم ما ذُكِرَ سُنّ أن يُلِحّ عليهم في الأكل ؛ لئلا يَضْعفوا بتركه استحياء ، أو لفرط جزع . واصطناعه من بعيد أو قريب للنائحات شديد التحريم؛ لأنه إعانة على المعصية . واصطناع أهل البيت له لأجل اجتماع الناس عليه: بدعة مكروهة"أ.هـ .
ثم إن صُنْع الطعام لأهل الميت فيه من الحِكَم الجميلة ، والأخلاق الجليلة: الكثير . يقول ابن القيم رحمه الله في:"زاد المعاد" (1/528) :"وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن أهل الميت لا يَتَكلّفون الطعام للناس ، بل أمر أن يَصْنع الناسُ لهم طعامًا يرسلونه إليهم . وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشِّيم ، والحمل عن أهل الميت، فإنهم في شغل بمصابهم عن إطعام الناس"أ.هـ .
والخلاصة:
أن الجلوس في بيتٍ للعزاء مكروه كراهة تنزيه في أصح قَوْلَيْ الفقهاء ، وعليه جمهورهم . وأما إن انضَمَّ إلى ذلك محرم ـ فيكون حرامًا ، وتسقط الكراهة عند الاحتياج ، على ما قرره الفقهاء . والله أعلم .
الشيخ صالح بن محمد الأسمري