وأما الثانية:§ فكراهة ذلك إلا لحاجة فلا كراهة . ومن الحاجة أن يَنْزل على أهل الميت ضيوف من قرى بعيدة . قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في:"المغني" (3/497) :"فأما صنع أهل الميت طعامًا للناس: فمكروه … وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز ، فإنه ربما جاءهم من يحضر مَيّتهم من القرى والأماكن البعيدة ، ويَبْيتُ عندهم ، فلا يُمْكِنهم أن لا يُضَيّفوه"أ.هـ . وقال ابن أبي عمر رحمه الله في:"الشرح الكبير" (6/264) :"فأما إصلاح أهل البيت طعامًا للناس: فمكروه … وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز ؛ فإنه ربما جائهم من يَحْضُر ميتهم من أهل القرى البعيدة . ويبيت عندهم ، فلا يمكنهم إلا أن يُطْعِموهُ"أ.هـ .
وظاهر تقرير الموفق وابن أبي عمر رحمهما الله اختيار الرواية الثانية لكن قال في:"الإنصاف" (6/264) :"قوله:"ولا يُصْلِحون هم طعامًا للناس"يعني: لا يُسْتحب بل يُكره . وهذا المذهب مطلقًا ، وعليه أكثر الأصحاب وجزم به في:"الوجيز" و"المغني"و"الشرح"وغيرهم ، وقَدَّمه في:"الفروع"وغيره . وعنه: يكره إلا لحاجة"أ.هـ المراد.
ودليل صحة الكراهة شيئان:
أولهما:§ خبر جرير بن عبدالله ـ وسبق ـ . قال النووي رحمه الله في:"المجموع شرح المهذب" (5/290) :"ويستدل لهذا ـ يعني: كراهة صنع أهل الميت طعامًا ـ بحديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال:"كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصَنِيْعةَ الطعام بعد دفنه من النياحة"رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناد صحيح وليس في رواية ابن ماجه: (بعد دفنه) "أ.هـ .
والثاني:§ ما ذكره الموفق رحمه الله في:"المغني" (3/497) بقوله:"فأما صنع أهل الميت طعامًا للناس: فمكروه ؛ لأن فيه زيادة على مصيبتهم ، وشُغلًا لهم إلى شُغلهم، وتشبهًا بصنيع أهل الجاهلية . ورُوي أن جريرًا وَفَد على عمر فقال: هل يُبَاحُ على مَيّتكم ؟ قال: لا . قال: فهل يَجْتمعون عند أهل الميت ويَجْعلون الطعام ؟ قال: نعم . قال: ذاك النَّوْح"أ.هـ .
فَائِدَةٌ:ـ
هناك قول آخر في المسألة حكاه المرداوي رحمه الله في:"الإنصاف" (6/264) بقوله:"وقيل: يحرم"أ.هـ . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ كما في:"مجموع الفتاوي" (24/316) ـ:"وأما صنعة أهل الميت طعامًا يدعون الناس إليه: فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة ، بل قد قال جرير بن عبدالله رضي الله عنه:"كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم الطعام للناس من النياحة"أ.هـ . ونصَّ ـ غير من سبق ـ على بدعية ذلك الأئمة ، ومنهم: ابن الحاج رحمه الله في:"المدخل" (3/275) ، والقرطبي رحمه الله في:"التذكرة" (1/158) ، والطرطوشي رحمه الله في:"الحوادث والبدع" (ص/170) ."
فَائدَةٌ:ـ
يُسْتَحب أن يُصْلَح لأهل الميت طعام يُبْعَث به إليهم . قال في:"الإنصاف" (6/263) :"بلا نزاع ـ أي: عند الحنابلة ـ وزاد المجد وغيره: (ويكون ذلك ثلاثة أيام) . وقال: ( إنما يُستحب إذا قُصِد أهل الميت . فأما لما يَجْتمع عندهم: فيُكْره ؛ للمساعدة على المكروه) انتهى"أ.هـ .
وجزم بالاستحباب أيضًا الحنفية ـ كما في:"شرح فتح القدير" (2/151) لابن الهمام ـ ، والمالكية ـ كما في:"الشرح الكبير" (1/664) للدردير ـ ، والشافعية ـ كما في:"نهاية المحتاج" (3/42) للشمس الرملي ـ لكنّهم ـ أي: المذاهب الثلاثة ـ خالفوا الحنابلة في جَعْل الاستحباب مُتَعَلَّقًا باليوم الأول ؛ وأما الحنابلة فهو عندهم مُتَعَلَّق بالأيام الثلاثة . والمقصود إشباعهم في ذلك اليوم أو الثلاثة أيام ، سواء أكان من جيرانهم أم من أقاربهم ؛ وإن بَعُدَت دارهم .