فهرس الكتاب

الصفحة 15053 من 27345

أحدها:عموم الآيات الدالة على أن ا لله لا يعذب أحدًا قبل ورود الرسل ، كقوله تعالى: ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا ) ، وقوله تعالى: ( رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ، وقوله تعالى: ( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ) ، وقوله تعالى: ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ) ، وقوله تعالى: ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير )

الثاني: حديث سعد بن عبادة في الصحيحين مرفوعًا:"ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين"

ثم إن هؤلاء القائلين بنجاتهم مختلفون هل يدخلون الجنة أو يمتحنون في عرصات القيامة، فيؤجج لهم نار ، فيؤمرون بدخولها ، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ، ومن لم يدخلها فقد عصى الله ، فيدخله الله فيها ؟

وسبب خلافهم حديث الأسود بن سريع عند أحمد مرفوعًا:"أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا ، ورجل أحمق، ورجل هرم ، ورجل مات في فترة"فأما الأصم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا ، وما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر ، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنه ، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار"قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا".

فلو ثبت هذا الحديث لكان فاصلا في النزاع الأول والنزاع الثاني ، ولكنه معتل المتن والإسناد، أما اعتلال المتن فهو أن فيه تكليفًا بالمحال ، وهو دخول النار، والله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها ، وأما اعتلال الإسناد فهو الاختلاف على معاذ بن هشام ، فقد رواه مرة عن أبيه عن قتادة ، عن الأحنف ، عن الأسود بن سريع ومرة عن أبيه ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة وكلتا الروايتين عند أحمد ، وعلى التسليم بعدم الاختلاف فإن قتادة والحسن ثقتان مدلسان وقد عنعنا في روايتهما .

وأما ما ورد في معنى هذا الحديث مرفوعًا عن أنس عند أبي يعلى والبزار ، وعن أبي سعيد عند البزار ، وعن معاذ عند الطبراني ، فلم يسلم إسناد أحدهما من ضعيف أو متروك. وبذلك يظهر أن الدليل مع من حكم بنجاة أهل الفترة دون امتحان لهم في الآخرة ، لأن الأصل عدمه ، ولم يثبت في شيء من نصوص الوحيين ، لا سيما وقد تضمن تكليفًا بالمحال ، بل قال القرطبي:"إنه لا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف"، وقال الحليمي:"ليس هذا الحديث بثابت ، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان"والله -تعالى- أعلم.

المسألة الثانية: حكم من مات طفلا، فليس بين العلماء نزاع في أن الطفل من أطفال المسلمين إذا مات أنه في الجنة ، نقل الإجماع في ذلك الإمام أحمد ، وأكده جماعة كابن تيمية وغيره ، إلا أن النووي نقله إجماع من يعتد به ، وكأنه نظر إلى نزاع الحمادين وابن المبارك وإسحاق وبعض المتكلمة ، فقد نقل عنهم التوقف في ذلك ، لحديث عائشة - رضي الله عنها - عند مسلم قالت: توفي صبي من الأنصار ، فقلت: طوبى له ، عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل بالسوء ، ولم يدركه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أو غير ذلك يا عائشة ! إن الله خلق للجنة أهلًا ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلًا ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ."

وقد أجاب جماعة من العلماء بأن الحديث محمول على الزجر عن التسرع في القطع من غير دليل ، أو بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل علمه أنهم في الجنة ، ثم قال: ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الجنة بفضل رحمته إياهم"، أخرجه البخاري من حديث أنس."

ولم يتنازع العلماء أن من مات من أطفال المسلمين له في الدنيا حكم المسلمين ، وإنما خالف مالك في ذلك إذا كان أبوه كافرًا وأمه مسلمة فلم يجعل له حكم المسلم ، والجمهور على أنه له حكم المسلم ما دام أحد والديه مسلمًا.

وأما من يموت من أطفال المشركين فلم يشتهر بين السلف خلاف في الحكم عليهم بالكفر ، وإنما الخلاف المشهور عنهم في الحكم عليهم بالنار أو الجنة ، والمأثور عنهم في ذلك أقوال ، لكنها تجتمع عند التأمل في قولين:

القول الأول: أنهم في النار ، وهو قول جماعة من المتكلمة وأهل التفسير ، وخطّأ السبكيُ النوويَ في نسبته هذا القول إلى الأكثر ، وغلّط ابن تيمية من عزاه إلى أحمد ، وإنما هو قول أبي يعلى من أصحابه ، ودليل هذا القول أمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت