فهرس الكتاب

الصفحة 15054 من 27345

أحدها: قول الله -تعالى-: ( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا ، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا ) ، فإذا كان الكافر لا يلد إلا كافرًا كان الوالد والمولود في النار .

والجواب: أن نوحًا -عليه السلام- يئس من أن يلقى أحدًا من قومه يؤمن بما جاء به ، ومعلوم أن الأطفال لا يعرض عليهم الدين صغارًا حتى يكبروا ، وإنما أيقن نوح أن كل من يلده قومه يرد رسالة ربه بعدما يبلغ الحنث، فأطلق وصف الكفر عليه باعتبار ما سيكون.

الثاني:قول النبي صلى الله عليه وسلم:"الوائدة والموؤودة في النار"، وفي لفظ:"إلا أن تدرك الوائدة الإسلام ، فيغفر الله لها ؟"

ومعلوم أن الموؤدة من أطفال المشركين وقد حكم عليها النبي صلى الله عليه وسلم بالنار .

والجواب: أن الحديث أخرجه أبو داود من طريق زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي مرسلًا ، ثم علقه أبو داود عن زكريا ، عن أبي إسحاق السبيعي عن الشعبي ، عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعًا ،- وبهذا لو لم يكن معلقًا - وهو كذلك عند الطبراني في الكبير من طريق ضعيفة - لما صح الاحتجاج به لاختلاط أبي إسحاق ، لا سيما وقد خالفه داود بن أبي هند عند أحمد ، فجعله من مسند سلمة بن يزيد ، لا من مسند ابن مسعود ، وكأن حديث ابن أبي هند حريًا بالقبول لولا أن إسماعيل بن أبي خالد خالفه - كما في علل الدار قطني - فرواه عن الشعبي عن ابني أبي مليكة ، دون ذكر لعلقمة ولا لابن مسعود ، وله طرق عن غير الشعبي عند أحمد والبزار وغيرهما مضطربة ، فتبين بذلك أنه لا يصح له إسناد.

لكن لو سلم بصحة إسناده فإنه - كما يقول ابن عبد البر- محتمل أن يكون خرج على جواب السائل في عين مقصوده ، فكانت الإشارة إليها، يريد أنها مثل الغلام الذي قتله الخضر، وهو كذلك فإنه برواية أحمد بلفظ:"إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتفعل وتفعل ، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال:"لا"، قال: فإنها كانت وأدت أختًا لنا في الجاهلية ، فهل ذلك نافعها شيئًا ، قال: الوائدة والموؤدة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فبعفو الله عنها".

الثالث:حديث عائشة عند أحمد: أنها ذكرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطفال المشركين ، فقال:"إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار: أي أصواتهم."

الجواب: أنه من رواية أبي عقيل بن المتوكل عن بُهَيَّة ، عن عائشة ، وأبو عقيل ضعيف فلا حجة في حديثه.

الرابع: حديث علي ، قال: سألت خديجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ولدين لها في الجاهلية فقال:"هما في النار"، فلما رأى الكراهية في وجهها قال:"لو رأيت مكانهما أبغضتهما"، قالت: يا رسول الله فولداي منك ؟ قال:"في الجنة"، ثم قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم:"إن المسلمين وأولادهم في الجنة ، وإن المشركين وأولادهم في النار"ثم قرأ: ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين"."

والجواب:أن هذا الحديث أخرجه أحمد من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن زاذان ، عن علي ، ومحمد بن عثمان مجهول ، وزاذان لم يدرك عليًا فلا حجة في هذا الحديث.

القول الثاني:أنهم ناجون ، وهو قول مالك ، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد ، واختاره كثير من المحققين ، كالبخاري ، وابن حزم وابن تيمية وابن القيم وابن حجر ، وغيرهم ودليلهم أمور

أحدها: عموم الآيات القاضية بأن الله لا يعذب من لم يرسل إليه رسولًا ، وقد تقدم سردها .

الثاني:قول الله -تعالى-: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، فكيف يعذب الله الأطفال لأجل شرك آبائهم ؟

الثالث:حديث سمرة عند البخاري مرفوعا:"والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام ، والصبيان حوله فأولاد الناس"، وأولاد الناس"لفظ عام يشمل أولاد المسلمين وأولاد المشركين."

وقد اختلف أصحاب هذا القول ، هل يدخلون الجنة ، أو يمتحنون بنار تؤجج لهم ، كما في المسألة السابقة ؟ والقول في هذه استدلالًا وجوابًا كالقول في تلك، وقد ترجح هناك أن الامتحان لم يثبت بدليل صحيح فلا يصح القول به، وهو كذلك هنا، وقد قال ابن عبد البر في الحديث المسوق هناك:"ليس من أحاديث الأئمة الفقهاء ، وهو أصل عظيم ، والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعيف في العلم والنظر ، مع أنه عارضها ما هو أقوى منها".

هذا وقد نقل عن بعض المتقدمين التوقف عن اختيار قول في هذه المسألة ، فسكت بعضهم، وقال آخرون: الله أعلم بهم ، وقال آخرون: هم تحت المشيئة، تأولًا لحديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعًا:"الله أعلم بما كانوا عاملين"، وليس السكوت عند المحققين قولًا ، ثم إن المراد بالحديث: أن الله يعلم ما سيعملونه لو عاشوا ، أو أن الله يعلم ما سيعملونه عند الامتحان في الآخرة ، على القولين في إثبات الامتحان وليس المراد به أن النبي صلى الله عليه وسلم قد توقف في أمرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت