واقتضت حكمة الباري سبحانه ان يكون الرجل مستعدًا للنسل ولو بلغ ثمانين سنة وان المرأة اذا بلغت الخمسين من عمرها يئست من الحمل والحيض وقيل خمسًا وخمسين . ومن نظر بعين الاعتبار إلى التباين بين الرجل والمرأة يجد المرأة أكثر شغلا وتعبًا من الرجل في الحياة المنزلية لقيامها بأعباء الحمل والولادة والرضاع وتربية الاولاد وشغل البيت من اصلاح الطعام وغيره من المتاعب التي تقتضي الحط من قوتها وصحتها حتى قيل: انه لن ينبت عمر الا وقد أكل عمرًا . أضف الى ذلك انها قد تكون عقيمًا وزوجها يحب ان تكون له ذرية ، وقد تصاب بمرض معد يقتضي بعدها عن زوجها وبعده عنها زمانًا طويلًا .
لهذا صار الرجل في الاسلام يجوز له الجمع بين المرأتين والثلاث متى علم من نفسه القدرة على القيام عليهن بالعدل لما في ذلك من العون على العفاف وتكثير النسل المطلوب شرعًا وعرفًا والذي يباهي به النبي صلى الله عليه وسلم سائر الأنبياء ، وحتى يكون المسلمون بكثرة نسلهم أكثر عددًا من عدوهم فيظهر بذلك فضلهم وعظمتهم ، امام عدوهم كما قال تعالى: ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وامددناكم باموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرًا ) فكثرة المسلمين خير من قلتهم مع ما فيه من حفظ النوع الانساني الذي يترتب عليه عمار الكون في الدنيا .
والتعدد فيه محاسن ومساوئ . فبعض الخواص من الناس قد شارك في موضوع التعدد لسبب يقتضيه . لكنه دخل فيه بعدل واعتدال وحسن سيرة وسياسة في الأهل والعيال فصار قرير العين به سليمًا من الانكاد والاكدار وذلك ببركة العدل بين الزوجات . اذ ان حكمة الله فوق رأي كل حكيم ."فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة".
النصارى يحرّمون التعدّد قانونا ويجيزونه عادة وعرفا
ان النصارى والمبشرين يشنعون على الاسلام والمسلمين في تعدد الزوجات وينسبونه الى مجرد التشهي والتنقل في اللذات وينتقدون الاسلام نفسه في مشروعية ذلك وما منهم احد الا وله خليلة وخليلتان يخلو بهما سرًا عن زوجته فهم يحرمونه قانونًا ويحلونه عادة وعرفًا ولا يعدون الزنا جريمة ، وقد بدأ النصارى رجالا ونساء يعرفون وجه الحاجة بداعي الضرورة الى التعدد واخذوا ينادون باباحته قانونًا في صحفهم ومحاضراتهم وأنديتهم كما أخذوا يعترفون بفضل دين الاسلام في مشروعيته وانه الدين الصالح لكل زمان ومكان ينظم حياة الناس أحسن نظام ، فهو الكفيل بحل مشاكل الخاص والعام . ودونك الشاهد والمشاهد لاحوالهم وعمالهم .
قال جوستاف لبون وهوالعالم الشهير عندهم"ان نظام تعدد الزوجات هو في الحقيقة نظام مستقل وجد قبل محمد صلى الله عليه وسلم بين شعوب الشرق واممه وكان مشروعًا بين الفرس ومسنونًا بين اليهود وساريًا بين العرب فلم يكن في مقدرة أي دين من الأديان ، وان اوتى قدرة كبرى على تغيير الآداب والانظمة والاخلاق ان يلغي نظامًا مثل هذا النظام الذي جاء به دين القرآن ويعمل على ابطاله لانه النتيجة الضرورية للجو والغاية المجتمعة لمزاج الشرق ونوع الحياة التي يعيشها ."
أما عن تأثير الجو فلا حاجة الى البسط فيه والشرح وحسبك ان مطالب الامومة والولادة والاوجاع والامراض وغيرها تضطر المرأة الى ان تظل أغلب دهرها بعيدة عن زوجها وهذه العزوبة الوقتية للرجل مستحيلة تحت جو كجو الشرق ومزاج كمزاج الشرق . وهذا هو الذي جعل تعدد الزوجات اوجب الضروريات .
أما عن العرب وان كان الجو أهدأ تأثيرًا والطبائع أخف حرارة الا أنك مع ذلك قل ان تلقى فردًا مقتنعًا بفردية الزوجية الا في القوانين فقط . وأما في العادات والآداب فما أقل العناية بها وما أندره .
ومعنى ذلك ان الاقتصار على زوجة واحدة لا يوجد في اوروبا الا في القوانين ولا يعمل به الا الاقلون وان تعدد الزوجات واقع في الغرب بين أهله وان لم يكن مشروعًا عندهم .
إلى أن قال:
لا أعرف لماذا يعتبر هذا التعدد الشرعي للزوجات عند الشرقيين أحط منزلة من هذا التعدد الفاحش عند الغربيين ، وان كنت أعلم جد العلم بالأسباب التي تجعل الاول أسمى مكانًا وارفع قدرًا من الآخر . أما وقد فهمنا الأسباب التي عملت على تشريع هذا التعدد في الشرق فليس من الصعب علينا ان نفهم السبب الذي حمل الدين على الاقرار عليه والاعتراف به .
ان رغبة الشرقيين في الاكثار من النسل وذوقهم المعترف به في عيشة الاسرة ، وعواطف العدل التي تتنازعهم ولا تسمح لهم بهجران المرأة التي لم تعد تعجبهم ، هي الاسباب التي جعلت الدين يقر على هذا النظام الناشيء عن الآداب والطبائع . انتهى"."
فقد عرفت مقالة هذا الكاتب الخبير وان النصارى يستبيحون التعدد حرامًا وينكرونه حلالا .
ان الاسلام دين السماحة والسهولة واليسر ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ولكونه ليس المقصود من النكاح هو التمتع بالشهوة الجنسية فإنها من الشيء المشترك بين الانسان وبين بهائم الحيوان .