ثم أن بعض هؤلاء متى استجد احدهم نكاح امرأة ووقعت في نفسه موقع الحظوة والرغبة ، أقبل عليها بكليته ووحدها باتصاله وصلته وقطع صلته بالاولى وقطع نفقته عليها وعلى عياله منها حتى يدعها معلقة لا هي ذات زوج ولا مطلقة فيتضاعف عليها الضرر من كل الحالات ، لعجز الزوج عن القيام بكفاءة المرأتين لا في البيت ولا في المبيت ولا في النفقة وان مثل هذا يستحق ان لا يسمح له بالتعدد لعجزه عن القيام بواجبه ، ولإخلاله بشرطه لقوله تعالى: ( فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) .
ان العقل المعيشي يعقل الرجل المقل عن التعدد لغير ضرورة لما يترتب عليه من الارهاق في الانفاق ثم هو يزرع زرعًا من العيال لا يستطيع سقيه ولا القيام بمؤنة كلفته .
كما ان التعدد يترتب عليه الارهاق في صحته بسبب المباضعة التي هي هدم في قوته ، فان ماءه يخرج من سلالة جسمه وقد وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه"مخ ساقيه ونور عينيه"فهو روح نشاطه وقوته كما قيل:
أقلل نكاحك ما استطعت فانه ماء الحياة يصب في الارحام
سيما اذا كان شيخًا طعن في السن ، وقد تزوج بكرًا ، فانه ان وفاها حقها انهك جسمه وان قصر عنها ابغضته .
حكمة مشروعية الطلاق
بما ان الله سبحانه قد شرع النكاح لعموم منفعته وشمول مصلحته التي أهمها بقاء النوع الانساني لما يترتب عليه من عمار الكون فكذلك شرع فسخ هذا النكاح عند وجود ما يقتضيه من وقوع الشقاق وعدم الوفاق او شدة كراهية الزوج لزوجته او كراهيتها له ، يقول الله: ( فأمسكوهن بمعروف او سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ) . والطلاق بغيض الى الله لما روى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ابغض الحلال الى الله الطلاق ) رواه ابو داوود وابن ماجه وصححه الحاكم . وانما كان بغيضًا إلى الله من اجل أنه يسبب العداوة والبغضاء بين الاصهار ولما يعقبه من تشتت الشمل وانقطاع النسل بين الزوجين لكنه بمثابة الدواء الكريه المر يعالج به ما لا بد منه . لانه متى ساءت الطباع وفسدت الاوضاع بين الزوج والزوجة واستمر بينهما الشقاق وأعيت الحيل في الوفاق فما احسن الفراق اذا لم تلاءم الاخلاق فانه لا عيش ولا انس ولا سعادة مع شدة كراهية احد الزوجين لصاحبه وهذا يعد من محاسن الاسلام الذي جعل الله فيه للمؤمن من كل ضيق فرجًا ومخرجًا ولم يجعل الزوجة الكريهة في نفسه حرجًا وغلا في عنقه لا تنفك عنه حتى يموت احدهما كزوجة النصارى ولهذا رجع النصارى مضطرين الى العمل بشريعة الاسلام في الطلاق ، ومن أجل منع القانون لوقوعه بدون سبب صار أحدهم يفضل العزوبة على تحمل مؤنة الزوجة ونفقتها ونفقة عياله منها ولا يزال الناس يرجعون بداعي الضرورة الى العمل بشريعة الاسلام لانها شريعة الله للناس أجمعين ورحمة للعالمين .
فيعودون يعترفون بفضل الاسلام في مشروعيته بعد ان شبعوا من ثلبه والطعن في أحكامه فهم وان لم يطبقوا العمل بموجبه لكنهم يعترفون بفضله وصلاحية الحكم به في كل زمان ومكان
إزالة الشقاق بعملية الوفاق او الفراق
انها متى ساءت الطباع فسدت الأوضاع ثم ساءت النتيجة وقد جعل الله في الشريعة الاسلامية للمؤمن من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا .
ونحن نعتقد ولا شك بأن الشريعة الاسلامية عدل الله في ارضه ورحمته لعباده وقد اباحت الزواج باربع نسوة متى علم من نفسه القدرة التامة على القيام بالعدل والكفاية في النفقة وسائر الواجبات الزوجية ، وذلك في وجوب القسم في الدخول والمبيت والنفقة الواجبة بخلاف ميل القلب بالمحبة وما يستدعيها من الشهوة الجنسية فانها لا تدخل في مسمى القسم لانها ليست من امكانية الشخص كما قال تعالى: ( ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولوحرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ) سميت معلقة لكونها لا ذات زوج ولا مطلقة . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لنسائه ويعدل ويقول: ( اللهم هذا قسمي فيما املك تلمني فيما لا املك ) ، يعني القلب ودواعيه .
وكان النبي في حالة مرضه يحمل الى منزل كل امرأة من نسائه وكان يقول: اين انا غدًا . يريد يوم عائشة فاذن له ازواجه ان يمرّض في بيت عائشة فكانت تقول: توفي رسول الله بين سحري ونحري .
أما اذا لم يستطع اعطاء كل واحدة منهن حقها اما لفقره او لعجزه عن المباشرة الجنسية او عدم عدله في قسمه ونفقته الواجبه . فان تنازلت إحداهما عن حقها من ذلك فهو صحيح ويسقط حقها باختيارها متى خيرها زوجها على البقاء معه بدون قسم او الطلاق فان اختارت البقاء بدون قسم فلا بأس اذ القسم من حقها ولها اسقاطه للمصلحة الراجحة من استدامة بقائها في عصمته بدون قسم فقد وهبت سودة قسمها لعائشة . فكان النبي يقسم لعائشة رضي الله عنها يومها ويوم سودة .
أما اذا طالبت بحقها من ذلك كله فانه يحكم لهابه وعند امتناعه يعتبر ظالمًا لها بحيث تستحق الفسخ من عصمته بطلبها .