اننا لا نشك ولا ننكر ان الاقتناع بزوجة واحدة متى حصل المقصود منها انها افضل من التعدد لان الله سبحانه حينما اباح تعدد الزوجات لم يبحه بطريق التوسع فيه على حسب التشهي والتنقل في اللذات ، وتنوع المشتهيات ، وانما اباحه بشرط العدل بين الزوجات ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) لان العدل قوام الدنيا والدين وصلاح المخلوقين ، وله وضعت الموازين ، وهو الألف المألوف تتألف به القلوب وتلتئم به الشعوب ويشملهم الصلاح وأسباب النجاح والفلاح .
فالقناعة بزوجة واحدة هي الاصل في تسميتها زوج ، وكما يسمى الرجل زوج . وفي الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدنيا متاع وخير المتاع الزوجة الصالحة التي اذا نظر اليها سرته ، وان أمرها أطاعته ، وان غاب عنها حفظته في نفسها وماله ) وبذلك يسلم من التنكيد والتكدير عليه في حياته من كل ما يثيره احقاد الضرائر كما قيل:
ومن جمع الضرات يطلب لذة فقد بات في الاضرار غير سديد
ونحن معشر المسلمين على دين وسط بين طرفين وهدى بين ضلالتين بين الغالي فيه والجافي عنه .
فالذواقون الذين يتنقلون في مراتع الشهوات من واحدة الى اخرى تمشيًا مع رغبتهم ، ودواعي شهواتهم ، ليسوا بمحمودين على عملهم ، وربما يدخلون بمقصدهم في نكاح المتعة المحرم في الاسلام ، متى تزوجها ومن نيته ان يطلقها ولا يستديم بقاءها ، وقد ورد الوعيد الشديد في الذواقين من الرجال والذواقات من النساء ، ومن كانت هذه سجينته فلن تدوم صحبته .
ومن طبيعة النفوس متى استرسل صاحبها معها في تنقلها في اللذات وتنوع المشتهيات ، فإنها لن تشبع نفسه ابدًا ، بل كلما تزوج بامرأة جميلة يحسن السكوت على مثلها ثم ذكر له اخرى غيرها تاقت نفسه لاخذها . حتى قيل: انه لو كان عند رجل جميع نساء العراق فقدمت امرأة من الشام ووصف له جمالها فانها تتوق نفسه لأخذها ولا يقنع بما عنده كما قيل:
لا يشبع النفس شيء حين تحرزه ولا يزال لها في غيره وطر
ولا تزال وان كانت لها سعة لها الى الشيء لم تظفر به نظر
والنفس من صاحبها فان اطمعها تاقت وطعمت وان سلاها سلت وسمحت .
وما النفس الا حيث يجعلها الفتى فان اطعمت تاقت والا تسلت
وقد قيل: الجدة تذهب اللذة ، وما كل ما فوق البسيطة كافي وان قنعت فكل شيء كافي فأهنأ العيش وأسعده هو ما أرشد اليه القرآن الكريم في قوله: ( ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) وهذه المودة والرحمة لا تدرك ولا تتفق غالبًا الا في حالة انفراد الزوج بزوجة واحدة يأنس بها وتأنس به ويطمئن اليها ، وهذا هو الذي ارشد اليه القرآن الكريم بقوله: ( وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) والايامى هم كل من لا زوج له من رجل وامرأة ، اذ هذا هو الاصل في تسمية الزوج والزوجة .
غير ان الشريعة الاسلامية السمحة اباحت التعدد بشرط التزام العدل وهو من تمام محاسنها وعموم مصالحها . وقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم بداء التوسع في المشتهيات من النساء كما اخبر بطريق علاجه فقال: ( اذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليذهب الى امرأته فان معها الذي معها ) رواه الدارمي عن ابن مسعود ورواه مسلم عن جابر .
ثم انه يتضاعف ضرر التعدد على الفقير وكل من كان مرتبه حقيرًا لأن لكل زمان أحوالًا واعمالًا تناسبه ، من السهولة واليسر ومن الشدة والعسر فقد مضى على الناس زمان يكتفون فيه بالقليل من القوت والغذاء والملابس ، وكان غالب ما يأكلونه ويستعملونه هو من نتاج بلدهم ، وكان عمدة قوت الكثير منهم البر والتمر ولا يحتاجون الى شيء من الخارج ما عدا اللباس الذي عسى ان يستعمل احدهم الثوب الواحد غالب السنة لا يجد له بديلا .
لهذا كان التعدد بين الزوجات لا يشق عليهم أبدًا وربما يساعدنه في سعة رزقه بما تستعمله احداهن من المهنة كخياطة ونشازة وشئون الحرث والزراعة حتى قيل: امرأة الصعلوك احدى يديه .
أما الآن وفي هذا الزمان فقد تبدلت الحالات وتجددت الحاجات وصار كل شهر يتجدد لهم حوائج ومؤن لا يجدون بدًا منها من مكيفات وغسالات وثلاجات ومفروشات فضلا عن السيارات ، وكل امرأة تطالب بحقها من ذلك حسب عرف البلد وعادة الناس وبذلك يتزايد الصرف ويشتد ضرره وتتراكم الديون عليه من حيث لا يحتسب ويصعب عليه الخروج منها لان دخوله في تعدد الزوجات بشهوة وشهامة ثم يعود عليه بالملامة والغرامة ، فالذين ينقادون مع شهواتهم الى استحسان التعدد بدون تفكير في عواقبه هم يقعون غالبًا في سوء العاقبة والمصير .