فعندما اختُطفت أخت وزير الداخلية بيان جبر صولاغ في منطقة القادسية اعتُقل في المنطقة المحيطة بالقادسية أكثر من 250 شابًا ووُضعوا في غياهب السجون ك (رهائن) لدى وزارة الداخلية، واعتقلت حتى عائلة امرأة صابئية، واستغلت الداخلية هذه الحادثة لعمل تصفيات طائفية في هذه المنطقة الحساسة من بغداد. وبنفس الاتجاه جاء مسلحو وزارة الداخلية واقتادوا قائمقام المحمودية الذي خدم مدينته خير خدمة، والمنتخب من أهاليها إلى مكان مجهول، وذنبه الوحيد أنه من الحزب الإسلامي العراقي فتم اغتياله!
اعتقالات ومداهمات بالجملة في الدورة وأبو غريب والغزالية والعامرية وأبو دشير تستهدف السنة، مما جعل الشباب يهربون من تلك المناطق إلى أقاربهم القاطنين في مناطق أكثر أمنًا، وهذه المداهمات في كثير من الأحيان تصيب حتى العوائل الشيعية، من أجل تنفيذ مخطط العزل الطائفي.
لقد وصلت الاستفزازات الطائفية للحرس والمليشيات حدًا لا يطاق؛ حيث الاستهزاء بمشاعر المسلمين الدينية مثل سب الصحابة والخلفاء وأمهات المؤمنين وتحويل وزارات ودوائر حكومية إلى حسينيات.
بل لقد أصبحت التعيينات الوظيفية هي الأخرى تتم على أسس طائفية، كما تم اغتيال أعداد كثيرة من الشباب العراقي ممن أسماؤهم (عمر) أو (بكر) أو (عثمان) أو (فاروق) أو (عائشة) أو (هند) ، فضلًا عن أن هذا الاسم يكفي لكي يحرم صاحبه من أول لحظة من العثور على وظيفة ما في أي مكان أو دائرة. أما الاسم الذي لا يوضح هوية أو انتماء صاحبه، فإن صاحبه يُسأل: هل هو سني أم شيعي؟ وبدأت الاستمارات في الكليات والوظائف وغيرها توزع على الملأ وفيها ايضا حقل حول (مذهب) الشخص.
تصفية العلماء
الشروخات الطائفية وتصرفات الحرس الوطني والمليشيات تبعها تدمير لمؤسسات الدولة، فهناك عمليات منهجية لإفراغ البلاد من الكفاءات حيث مورس القتل والخطف وتهديد الكثير من العلماء والأطباء والمهندسين والصحافيين.
ومن ثم تدنى المستوى الدراسي في العراق كثيرًا، سواء في المدارس أو المعاهد أو الجامعات؛ حيث الغش والرشوة والمحسوبية والمحاصصة في قبول الطلاب في هذه الكلية أو تلك.
ستة آلاف جثة: أظهرت بيانات وزارة الصحة العراقية أن المشرحة الرئيسة في بغداد استقبلت منذ بداية هذا العام وحتى نهاية مايو الماضي جثث 6 آلاف عراقي قتل معظمهم بأسلوب عنيف. وتفيد البيانات بتزايد عدد الجثث الواردة إلى المشرحة شهريًا بصورة مطردة. وزاد عدد جثث الضحايا التي نقلت إلى المشرحة من 1000 جثة في شهر يناير الماضي إلى 1400 جثة في شهر مايو. ويُعتقد أن غالبية هؤلاء الأشخاص قد قتلوا بسبب العنف الطائفي.
ويقول مراسل ال"بي بي سي"في بغداد إن هذه الأرقام بالغة الحساسية والحرج بالنسبة للحكومة العراقية؛ حيث تخشى أن يؤدي الإعلان عن الأرقام الحقيقية إلى تزايد أعمال العنف، لأن أعداد الضحايا أكبر من تلك المعلنة رسميًا، حيث لا ترد جثث أخرى كثيرة إلى المشرحة، كما أن هناك جثثًا أخرى لمفقودين لايعثر عليها مطلقًا. وكانت قوات من الشرطة العراقية قد عثرت في وقت مبكر على تسعة رؤوس مقطوعة مجهولة الهوية في مدينة بعقوبة شمال شرق بغداد.
كوفي عنان ينتقد
قدم كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة تقريرًا إلى مجلس الأمن عن حالة حقوق الإنسان في العراق، وورد فيه:"إن الأمم المتحدة لا تزال قلقة بشأن أعداد المعتقلين الضخمة المحتجزين، دون إجراءات مناسبة". وقال:"إن التقارير المباشرة وغير المباشرة التي ترد من بغداد تشير بشكل مستمر إلى الاستخدام المنظم للتعذيب خلال التحقيق في مراكز الشرطة العراقية وغيرها من المنشآت، منها ما يتبع وزارة الداخلية العراقية". وأبلغ عنان مجلس الأمن الدولي مستشهدًا بإحصائيات صادرة عن وزارة حقوق الإنسان العراقية"إن وزارة العدل العراقية تحتجز في معتقلات الشرطة نحو 7300 سجين، فيما يوجد 2300 شخص محتجز في سجون خاصة بوزارة الداخلية العراقية، و120 معتقلًا لدى سجون وزارة الدفاع العراقية، ونحو 19600 شخص معتقل لدى القوات الأمريكية التي تدير ثلاثة سجون في العراق بينها سجن أبو غريب الذي كان مسرحًا لفضيحة السجناء، والآخران هما معتقلا بوكا في أم قصر ومعتقل المطار ببغداد".
وصرح باحتجاز السجناء العراقيين خلافا ًلمواثيق جنيف التي نص عليها مجلس الأمن الدولي. ولاتسمح مواثيق جنيف التي تحكم معاملة المدنيين في وقت الحرب للقوات الأجنبية باحتجاز سجناء في دول أجنبية. وجاء في التقرير الذي وضعه عنان أمام مجلس الأمن"أن هذه الأرقام تدل على تدهور مطرد وتوفر مؤشرًا قويا ًعلى غياب الحماية لحق الحياة الذي يهيمن على العراق في هذا الوقت".