فهرس الكتاب

الصفحة 15218 من 27345

وهو من الأمراض العظيمة للقلوب, والعلم النافع لمرض الحسد: هو أن يُعرف تحقيقًا أنَّ الحسد ضرر في الدنيا والدين, وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ربما ينتفع به فيهما, فأما كونه ضررا على الحاسد في الدين فهو بالحسد قد سخِطَ قضاء الله تعالى, وكره نعمته التي قسمها بين عباده, وعدله الذي أقامه في ملكة بخفي حكمته فاستنكر ذلك واستبشعته, وهذه جناية في حدَقَةِ التوحيد, وقذىً في عين الإيمان. ناهيك بهما جنايةً على الدين, وقد انضاف إلى ذلك مفارقته أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى, وشارك إبليس والكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم, وتلك خبائث في القلب تأكلُ حسنات القلب كما تأكل النارُ الحطبَ. وأما كونه ضررًا في الدنيا فهو أنه يتألم بحسده في الدنيا أو يتعذب به ولا يزالُ في كمدٍ وغمٍّ إذ المحسود لا يخليه الله تعالى عن نِعَمٍ يفيضها عليهم فلا يزالُ يتعذب بكلِّ نعمة يراها, ويتألمُ بكل بليَّةٍ تنصرف عنه, فيبقى مغمومًا ضيِّق الصدرِ؛ فقد نزل به ما يشتهيه الأعداءُ له, ويشتهيه لأعدائه, فقد كان يريد المحنة لعدوه, فتنجّزتْ في الحال محنته وغمه. ولا تزول النعمة عن المحسود بحسده ولو لم يكن مؤمنًا بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنةِ إنْ كان عاقلًا أنْ يحذر منَ الحسد؛ لما فيه منْ ألم القلب ومساءته مع عدم النفع, فكيف وهو عالمٌ بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة؟!, فما أعجب من يتعرض لسخط الله من غير نفعٍ يناله, بل مع ضررٍ يحتمله وألمٍ يُقاسيه فيوبق دنياه وآخرته من غير جدوى ولا فائدةٍ, وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضحٌ؛ لأنَّ النعمة لا تزول عنه بالحسد, وأما أنَّ المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فكذلك؛ أما منفعته في الدين: فهو أنه مظلومٌ من جهة الحاسد لا سيما إنْ أخرجه الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساوئه_ كحالنا_ فهذه هدايا يهديها إليه؛ إذ يُهدي إليه حسناته حتى يلقاه يوم القيامة مفلسًا محرومًا كما حُرِم في الدنيا عن النعمة.

والحاسد على كلِّ حالٍ مذموم عند الخالق والخلائق, شقيًا في الحال والمآل, ونعمة المحسود دائمة شاء أم أبى, باقية.

فمن تفكر بما مضى بذهنٍ صافٍ, وقلبٍ حاضرٍ, انطفأت نارُ الحسد من قلبه.

وأما العمل النافع فيه: فهو أن يكلف المرء نفسه نقيض ما يتقاضاه الحسد: وذلك بالتواضع للمحسود, والثناء, والمدح, وإظهار السرور بالنعمة؛ فتعود القلوب إلى التآلف والتحاب, وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغمِّ التباغض. فهذا دواء الحسد وهو نافع جدًا, إلا أنه مرٌّ على القلوب جدًا, ولكن النفع في الدواء المُر, فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء, وإنما تهون مرارة هذا الدواء أعني التواضع للأعداء والتقرب إليهم بالمدح والثناء: بقوة العلم بالمعاني التي سبق بيانها, وقوة الرغبة في ثواب الرضا بقضاء الله تعالى. [انظر: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين ص324, وبيّن صاحب الإحياء أنَّ للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى انظر الإحياء (3/186) , وللفائدة: في بيان أسباب الحسد, انظر: الإحياء (3/192) , وله كلام نفيسٌ جدًا في فصل: بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والإخوة وبني العم (3/194) فراجعه_لزامًا_] .

فمن لم يُرزق قلبًا سليمًا فعليه بمعالجته, ولعلاجه أدوية مبينة في كتب القوم كالإحياء والمنهاج فراجعها تجد ما يشفي العليل.

أقول: فحينما يتمكن الحسد من المرء فيملك عليه قلبه, ويسلبه لبه, حتى تزل به قدمه, فيحاول حينها أنْ يُسقط المحسود, فيبذل وسعه ويستفرغ جهده, ساعيًا لتحيق مراده, حتى يسلك لغرضه ذلك كل مسلك, ويطلب كلَّ منفذ, وإنْ أدى ذلك إلى ارتكاب محرم, أو فعل جُرمٍ, بعدها تعظم ندامته وتكثر حسراته, فيذهب بكمده ولم يدرك ما طلب ولم يُرِحْ نفسه من التعب فخرج بغير زاد ويقدم في الآخرة على غير مهاد.

لم أقصد من خلال إيراد تلك الأسباب استيفائها, لا, فدونه خرطُ القتاد, ولكنْ حسبي أنَّ تلك الأسباب هي أهمُّ ما يمكن إرجاع تلك المظاهر إليه. والله أعلم.

وأما أنتَ أيها الضحية المذبوحة من غير سكين, والروح الميتة من غير ما سكرةٍ, فإليك رسائل من بريد المحبة على عجلٍ:

اعلم أخي المبارك أنَّ هذا ابتلاء من الله عز وجل, في دروب الخير, ومسالك الدعوة, هو ذاته درب الأنبياء, وهو هو مسلك الأعلام الأنقياء, فانشد التأريخ ينبيك عن محنهم, واسبره يخبرك عن بلاياهم وإحنهم, على رأس الهرم, وفوق قمة الجبل, حادثة الإفك, فتا الله كلُّ مصيبة كهذه بعد مصيبة عائشة_ رضي الله عنها_ تهون, فاقرأ في حادثة الإفك, ثمَّ تأمل, وفكر, وانظر, تعلم مقدار تلك الحادثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت