فهرس الكتاب

الصفحة 15358 من 27345

فمن أقام بين البحرين حاجزا، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا؟ ومن أزجى الفلك وسيرها على ظهره وأجرى الرياح وسخرها ليبتغي الناس من فضله؟ أوليس الله رب العالمين … فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير [الشورى:32-34] .

ويقرأ العالمون بالفلك ويرى غيرهم في عالم السماء كيف رفع الله السبع الشداد بلا عمد، وجعل فيها أنواعا من المخلوقات لا يعلمها إلا الله، وأودع فيها من الغيوب والأرزاق ما اختص الله بعلمه، وينزل للناس في حينه بقدر، ويبصر الناس، كل الناس، كيف زين الله السماء الدنيا بمصابيح يهتدي بها المسافرون، ويرجم بها الشياطين، وجعل للنجوم مواقع، وللشمس والقمر منازل بها يستدل الحاسبون، ويعرف الناس الأزمان والشهور .. ترى من أجراها على الدوام وسخرها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها؟ إنه الله الولي الحميد.

قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون [القصص:71-73] .

ويح أولئك الذين لا يشكرون، وما أكثر الذين هم بنعم ربهم غافلون الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر فهل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير [الملك:3-5] .

أيها المسلمون: ويبحث علماء الجغرافيا أو الجيولوجيا في طبقات الأرض العلوية أو السفلية، فيرون مختلف الجبال وأنواع الصخور، فهذه جدد بيض وتلك حمر مختلف ألوانها، وثالثة غرابيب سود، ويلفت نظرهم قمم الجبال العالية وبطون الأودية السحيقة، وبين هذا وذاك تنبت أنواع من النباتات وتنتشر أنواع من الحيوانات، وإذا اعتدل الهواء في المناطق المتوسطة باتت قمم الجبال العالية السوداء بيضاء من الثلوج النازلة، وفى حين تنعدم الحياة في المناطق الاستوائية لشدة الحرارة .... ترى من قدر لهذه وتلك قدرها .. وهل في إمكان البشر أن ينقلوا جو هذه إلى تلك أو العكس ... أو يبعثوا الحياة في الأرض الميتة..؟!

كلا بل هو الله العلي القدير، ويدرك العالمون أكثر من غيرهم أن جوف الأرض يحتفظ بأنواع من المياه الجوفية تختلف في مخزونها، وفى مذاقها، وقربها أو بعدها، فمن يمسك البنيان إذ يبنى على ظهر الماء؟ ومن يمنع الأرض أن تتحول إلى طوفان بطغيان الماء في أعلاها وأسفلها إلا الله الذي أنزل من السماء ماء بقدر فأسكنه في الأرض، وهو القادر على أن يذهب به متى يشاء.

وعلى سطح البسيطة تنتشر أنواع من البشر، تختلف في ألوانها وألسنتها، وتختلف في عوائدها وطرائق حياتها، فمن بثها وبعث الحياة فيها وألهم كل نفس فجورها وتقواها؟ إنه الله يعرفه ويخشاه العالمون، ولا يكفر به إلا الظالمون المعاندون.

ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور [فاطر:27-28] .

إخوة الإيمان: ودلائل الإيمان تبدو للإنسان نفسه حتى وإن كان أميا، وهو يتأمل في نفسه، ويبصر عظمة الخلق فيها، كيف خلقها الله ابتداء من ماء مهين، ثم كانت بهذا الشكل القويم، وأدوع فيها من أسرار الخلق ما يعجز الطب عن كنهه، ويبقى الأطباء في حيرة منه ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا [الإسراء:85] .

وهذا نموذج للإعجاز والتحدي.

ترى من يرعى دقات قلب المرء في حال اليقظة والنوم؟ وأقرب الناس إليه لا يملك من أمره شيئا، بل وهل يملك الإنسان نفسه التصرف في حركة التنفس؟ فيتنفس متى يشاء، ويوقف أنفاسه إذا لم يشاء، ألم يرى الإنسان كيف يدخل الطعام مدخلا ثم يخرجه الله مخرجا آخر؟ أله في ذلك قدرة وشأن؟ وما حيلته لو اختنق النفس أو احتبس البول؟ كم في جسم الإنسان من جهاز وطاقة؟ وكم فيه من أعضاء وخلية؟ أيملك التصرف بشيء منها؟ وصدق الله وهو أصدق القائلين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وهو القائل لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4] .

إن القرآن يا عباد الله كتاب مفتوح للتأمل في ذات الإنسان وفي ملكوت الله، وخلقه الآخر، وكم تلفت آيات القرآن النظر للتأمل والعبرة، وتدعو للتفكر، وتشنع على العقول الخاملة، والقلوب الميتة، وكم في القرآن من مثل ودعوة وكم من مثل قوله تعالى أفلا تفكرون ، أفلا تذكرون ، أفلا تعقلون ، أفلا تؤمنون ...

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج:46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت