فهل يزداد المسلم إيمانا حين يتلو آيات القرآن؟ وهل يتعاظم الإيمان في قلبه حين يطلق لفكره وقلبه التأمل في مخلوقات الله العظام؟
إن العلم يدعو إلى الإيمان، وإن دلائل القرآن تؤكد نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فمن أين لمحمد الأمي أن يخبر عن حركات الأمواج في الظلمات في البحار اللجية، ويقول للناس: أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور [النور:40] .
ترى أركب البحر محمد صلى الله عليه وسلم، أم توفر له في حينه ما توفر في عالم اليوم من الغواصات والآلات؟ كلا إن هو إلا وحي يوحى [النجم:4] .
بل ومن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي عاش في بيئة يقل فيها العلم، وينتشر فيها الجهل أن يخبر عن أطوار خلق الجنين في بطن أمه، كما قال تعالى: يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فانى تصرفون [الزمر:6] .
وإذا لم يعلم محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الظلمات قبل تعليم الله إياه، أفتراه يعلم أو يقول من ذات نفسه عن خلق الإنسان ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين [المؤمنون:12-14] .
ترى هل مارس محمد صلى الله عليه وسلم الطب أم كان على صلة بالأطباء، وهل كان الأطباء حينها يعلمون ذلك؟ كلا، بل هو كما قال تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون [العنكبوت:48-49] .
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب وسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أعطى كل شىء خلقه ثم هدى، وأشهد أن لا إله إلا ألله وحده لاشريك له، أمات وأحيا، وخلق الزوجين من نطفة إذا تمنى، أمسك السموات والأرض أن تزولا، وأهلك عاد الأولى، وثمود فما أبقى، والمؤتفكة أهوى، فغشاها ما غشى، فبأى آلاء ربك تتمارى...
وأشهد أن محمد عبده ورسوله أنزل الله عليه من البينات والهدى ما تخشع له الصخور الصم، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر االنبيين.
عباد الله: ويجد المتدبر لكتاب الله ألوانًا من المواعظ والعبر، تدعوه إلى الإيمان إن كان في بحثه صادقا، وتثبت إيمانه وتزيده إن كان من قبل مؤمنا، وقل أن يستفيد من وقفات القرآن من يهذه هذّ الشعر أو يقرؤه كما يقرأ الكتاب أو الجريدة، كحال من يحفظون القرآن وهم لا يفقهون منه شيئا ..
إن أثر القرآن عظيم في النفوس حين تقشعر منه الجلود، ثم تلين له القلوب، وإن مواعظه وعبره أكثر من أن تحصى حين يقرأ بتأمل وتدبر... وحسبنا في هذه الوقفة أن نذكر بمنهج القرآن في تثبيت الإيمان من خلال دلائل الكون في الأنفس والآفاق، ومن عظمة القرآن أن تبقى مواعظه صالحة نافعة في كل زمان ومكان، أبى الله أن يبلى كتابه، أو يخلق من كثرة الترداد على تعاقب الأجيال.
وإليكم نموذجا يلفت فيه ربنا تبارك وتعالى أنظارنا من خلال آي القرآن إلى التأمل والاعتبار، في مشاهد تتكرر في كل آن، ونراها رأي العيان، ومع ذلك فقد نغفل عنها كثيرا، أو لا تدعونا لمزيد من الإيمان ... للجهل بها أو لكثرة إلفها، أو لثباتها، علما بأن في ثباتها واستمرارها دليلا على بقاء موجدها على الدوام.
تأملوا الحدث واستلهموا العبرة، وجددوا الإيمان، يقول تبارك وتعالى: ألم ترى إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنًا ثم جعلنا الشمس عليه دليلًا ثم قبضناه إلينا قبضًا يسيرًا وهو الذي جعل لكم الليل لباسًا والنوم سباتًا وجعل النهار نشورًا وهو الذي أرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورًا لنحيي به بلدة ميتًا ونسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسي كثيرًا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورًا ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرون وجاهدهم به جهادًا كبيرًا وهو الذي مرج البحرين هذا عذاب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخًا وحجرًا محجورًا وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا وكان ربك قديرًا ويعبدون من دون الله ما لاينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرًا [الفرقان:54-55] .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات: من هاهنا شرع سبحانه وتعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة.