بعث أحمد بن محمد بن سجار غلامه إلى أبي عبدالله الأعرابي صاحب الغريب يسأله المجيء إليه، فقال:عنده قوم من الأعراب فإذا قضى أربهم معهم أتى، ولم ير الغلام عنده أحدًا إلا أن بين يديه كتبًا ينظر فيها ثم جاء، فقال له أبو أيوب: سبحان الله العظيم تخلفت عنا وحرمتنا الأنس بك وقد قال لي الغلام: إنه ما رأى عندك أحدًا، وقلت أنت: معك قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت فقال له الأعرابي:
لنا جلساء ما نمل حديثهم *** ألباء مأمومون غيبًا ومشهدًا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى *** وعقلًا وتأديبًا ورأيًا مسددًا
فلا فتنة تخشى ولاسوء عشرة *** ولا نتقي منهم لسانًا ولا يدًا
فإن قلت أموات فما أنت كاذب *** وإن قلت أحياء فلست مفندًا
وقال الآخر:
لمحبرة تجالسني نهاري *** أحب إلي من أنس الصديق
ورزمة كاغد في البيت عندي *** أحب إلي من عطر الدقيق
ولطمة عالم في الخد مني *** ألذ لدي من شرب الرحيق
وقال آخر:
نعم المؤانس والجليس كتاب *** تخلو به إن خانك الأصحاب
لا مفشيًا سرًا ولا متكدرًا *** وتفاد منه حكمة وصواب
ويقول أحدهم في وصف أسده على كتب العلم:
أجلّ مصائب الرجل العليم *** مصائبه بأسفار العلوم
إذا فقُد الكتاب فذاك خطب *** عظيم قد يجل عن العميم
وكم قد مات من أسف عليها *** أناس في الحديث وفي القديم
وقال عمرو بن العلاء: ما دخلت قط على رجل ولا مررت بداره، فرأيته في بابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ إلا حكمت عليه أنه أفضل منه عقلًا، وقيل لرجل ما يؤنسك؟ فضرب على كتبه وقال: هذه، قيل فمن الناس، قال: الذين فيها.
وقيل لبعضهم أما تستوحش؟ قال: يستوحش من معه الأنس كله؟ قيل وما الأنس؟ قال: الكتب.
وقيل لأبي الوليد إنك ربما حملت الكتاب وأنت رجل تجد في نفسك، قال: إن حمل الدفاتر من المروءة.
وقال ابن المبارك: من أحب أن يستفيد فلينظر في كتبه.
ولهم وصايا في العناية بالكتاب والحفاظ عليه منها: أن أحدهم رأى شخصًا قد جلس على كتابه، فقال: أثيابك أغلى عليك من كتابك؟ لأنه جلس على كتابه حتى يقيه الغبار.
وكانوا يقولون لا تجعل كتابك بوقًا ولا صندوقًا، ذلك أن بعض الناس يلف الكتاب حتى يصبح قريبًا من شكل البوق، والصندوق أنه يضع فيه بعض الناس الأوراق والأقلام ونحوها فيتمزق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.