فهرس الكتاب

الصفحة 1560 من 27345

وفي الثانية: توجد الطاقة الواحدة، المتصلة بالطاقة الكونية الكبرى.. يوجد الجدول السارب، الواصل إلى النبع الأصيل!..

نحن في حاجة ملحة إلى المتخصصين في كل فرع من فروع المعارف الإنسانية أولئك الذين يتخذون من معاملهم ومكاتبهم صوامع وأديرة!.. ويهبون حياتهم للفرع الذي تخصصوا فيه، لا بشعور التضحية فحسب، بل بشعور اللذة كذلك!.. شعور العابد الذي يهب روحه لإلهه وهو فرحان!..

ولكننا مع هذا يجب أن ندرك أن هؤلاء ليسوا هم الذين يوجّهون الحياة، أو يختارون للبشرية الطريق؟..

إن الرواد كانوا دائمًا. وسيكونون هم أصحاب الطاقات الروحية الفائقة هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة المقدسة التي تنصهر في حرارتها كل ذرات المعارف، وتنكشف في ضوئها طريق الرحلة، مزودة بكل هذه الجزئيات قوية بهذا الزاد، وهي تغذ السير نحو الهدف السامي البعيد!..

هؤلاء الرواد هم الذين يدركون ببصيرتهم تلك الوحدة الشاملة، المتعددة المظاهر في: العلم، والفن، والعقيدة، والعمل، فلا يحقرون واحدًا منها ولا يرفعونه فوق مستواه!

الصغار وحدهم، هم الذين يعتقدون أن هناك تعارضًا بين هذه القوى المتنوعة المظاهر؛ فيحاربون العلم باسم الدين، أو الدين باسم العلم..

ويحتقرون الفن باسم العمل، أو الحيوية الدافعة باسم العقيدة المتصوفة!.. ذلك أنهم يدركون كل قوة من هذه القوى، منعزلة عن مجموعة من القوى الأخرى الصادرة كلها من النبع الواحد، من تلك القوة الكبرى المسيطرة على هذا الوجود!..

ولكن الرواد الكبار يدركون تلك الوحدة، لأنهم متصلون بذلك النبع الأصيل، ومنه يستمدون!..

إنهم قليلون.. قليلون في تاريخ البشرية.. بل نادرون! ولكن منهم الكفاية..: فالقوة المشرفة على هذا الكون، هي التي تصوغهم، وتبعث بهم في الوقت المقدر المطلوب!

الاستسلام المطلق للاعتقاد في الخوارق والقوى المجهولة خطر، لأنه يقود إلى الخرافة.. ويحول الحياة إلى وهم كبير!..

ولكن التنكر المطلق لهذا الاعتقاد ليس أقل خطرًا: لأنه يغلق منافذ المجهول كله، وينكر كل قوة غير منظورة لا لشيء إلا لأنها قد تكون أكبر من إدراكنا البشري في فترة من فترات حياتنا! وبذلك يصغر من هذا الوجود - مساحة وطاقة، وقيمة كذلك، ويحده بحدود المعلوم وهو إلى هذه اللحظة حين يقاس إلى عظمة الكون - ضئيل.. جدًا ضئيل!..

إن حياة الإنسان على هذه الأرض، سلسلة من العجز عن إدراك القوى الكونية أو سلسلة من القدرة على إدراك هذه القوى، كلما شبَّ عن الطوق وخطا خطوة إلى الأمام في طريقه الطويل!

إن قدرة الإنسان في وقت بعد وقت على إدراك إحدى قوى الكون التي كانت مجهولة له منذ لحظة وكانت فوق إدراكه في وقت ما.. لكفيلة بأن تفتح بصيرته على أن هناك قوى أخرى لم يدركها بعدُ لأنه لا يزال في دور التجريب!

إن احترام العقل البشري ذاته لخليق بأن نحسب للمجهول حسابه في حياتنا لا لنكل إليه أمورنا كما يصنع المتعلقون بالوهم والخرافة، ولكن لكي نحس عظمة هذا الكون على حقيقتها وكي نعرف لأنفسنا قدرها في كيان هذا الكون العريض. وإن هذا لخليق بأن يفتح للروح الإنسانية قوى كثيرة للمعرفة وللشعور بالوشائج التي تربطنا بالكون من داخلنا وهي بلا شك أكبر وأعمق من كل ما أدركناه بعقولنا حتى اليوم بدليل أننا ما نزال نكشف في كل يوم عن مجهول جديد؛ وأننا لا نزال بعدُ نعيش!

من الناس في هذا الزمان من يرى في الاعتراف بعظمة الله المطلقة غضًا من قيمة الإنسان وإصغارًا لشأنه في الوجود: كأنما الله والإنسان ندان يتنافسان على العظمة والقوة في هذا الوجود!

أنا أحس أنه كلما ازددنا شعورًا بعظمة الله المطلقة، زدنا نحن أنفسنا عظمة لأننا من صنع إله عظيم!

إن هؤلاء الذين يحسبون أنهم يرفعون أنفسهم حين يخفضون في وهمهم إلههم أو ينكرونه، إنما هم المحدَّدون الذين لا يستطيعون أن يروا إلا الأفق الواطئ القريب!

إنهم يظنون أن الإنسان إنما لجأ إلى الله إبان ضعفه وعجزه فأما الآن فهو من القوة بحيث لا يحتاج إلى إله! كأنما الضعف يفتح البصيرة، والقدرة تطمسها!

إن الإنسان لجدير بأن يزيد إحساسًا بعظمة الله المطلقة كلّما نمت قوته، لأنه جدير بأن يدرك مصدر هذه القوة كلما زادت طاقته على الإدراك..

إن المؤمنين بعظمة الله المطلقة لا يجدون في أنفسهم ضعة ولا ضعفًا، بل على العكس يجدون في أنفسهم العزة والمنعة، باستنادهم إلى القوة الكبرى المسيطرة على هذا الوجود. إنهم يعرفون أن مجال عظمتهم إنما هو في هذه الأرض، وبين هؤلاء الناس، فهي لا تصطدم بعظمة الله المطلقة في هذا الوجود إن لهم رصيدًا من العظمة والعزة في إيمانهم العميق لا يجده أولئك الذين ينفخون أنفسهم"كالبالون"حتى ليغطي الورم المنفوخ عن عيونهم كل آفاق الوجود!

أحيانًا تتخفَّى العبودية في ثياب الحرية فتبدو انطلاقًا من جميع القيود.. انطلاقًا من العُرْف والتقاليد، انطلاقًا من تكاليف الإنسانية في هذا الوجود!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت