إن هناك فارقًا أساسيًا بين الانطلاق من قيود الذل والضغط والضعف، والانطلاق من قيود الإنسانية وتبعاتها.. إن الأولى معناها التحرر الحقيقي، أما الثانية فمعناها التخلي عن المقومات التي جعلت من الإنسان إنسانًا، وأطلقته من قيود الحيوانية الثقيلة!..
إنها حرية مقنَّعة، لأنها في حقيقتها خضوع وعبودية للميول الحيوانية، تلك الميول التي قضت البشرية عمرها الطويل وهي تكافحها لتخلص من قيودها الخانقة إلى جو الحرية الإنسانية الطليقة..
لماذا تخجل الإنسانية من إبداء ضروراتها؟ لأنها تحس بالفطرة أن السمو مع هذه الضرورات هو أول مقومات الإنسانية وأن الانطلاق من قيودها هو الحرية وأن التغلب على دوافع اللحم والدم وعلى مخاوف الضعف والذل كلاهما سواء في توكيد معنى الإنسانية!
لست ممن يؤمنون بحكاية المبادئ المجردة عن الأشخاص لأنه ما المبدأ بغير عقيدة حارة دافعة؟ وكيف توجد العقيدة الحارة الدافعة في غير قلب إنسان؟
إن المبادئ والأفكار في ذاتها - بلا عقيدة دافعة - مجرد كلمات خاوية أو على الأكثر معان ميتة! والذي يمنحها الحياة هي حرارة الإيمان المشعة من قلب إنسان! لن يؤمن الآخرون بمبدأ أو فكرة تنبت في ذهن بارد لا في قلب مشع.
آمن أنت أولًا بفكرتك آمن بها إلى حدّ الاعتقاد الحار! عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون!! وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة!..
لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائنًا حيًا دبَّ على وجه الأرض في صورة بشر!.. كذلك لا وجود لشخص - في هذا المجال - لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة وإخلاص..
إن التفريق بين الفكرة والشخص كالتفريق بين الروح والجسد أو المعنى واللفظ.. عملية في بعض الأحيان مستحيلة وفي بعض الأحيان تحمل معنى التحلل والفناء!..
كل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان! أما الأفكار التي لم تطعم هذا الغذاء المقدس فقد ولدت ميتة ولم تدفع بالبشرية شبرًا واحدًا إلى الأمام!
من الصعب عليَّ أن أتصور كيف يمكن أن نصل إلى غاية نبيلة باستخدام وسيلة خسيسة!؟ إن الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل: فكيف يمكن لذلك القلب أن يطيق استخدام وسيلة خسيسة؛ بل كيف يهتدي إلى استخدام هذه الوسيلة؟! حين نخوض إلى الشط الممرع بركة من الوحل لا بد أن نصل إلى الشط ملوثين.. إن أوحال الطريق ستترك آثارها على أقدامنا وعلى مواضع هذه الأقدام.. كذلك الحال حين نستخدم وسيلة خسيسة: إن الدنس سيعلق بأرواحنا، وسيترك آثاره في هذه الأرواح، وفي الغاية التي وصلنا إليها!
إن الوسيلة في حساب الروح جزء من الغاية. ففي عالم الروح لا توجد هذه الفوارق والتقسيمات! الشعور الإنساني وحده إذا أحس غاية نبيلة فلن يطيق استخدام وسيلة خسيسة.. بل لن يهتدي إلى استخدامها بطبيعته! (الغاية تبرر الوسيلة!؟) : تلك هي حكمة الغرب الكبرى!! لأن الغرب يحيا بذهنه وفي الذهن يمكن أن توجد التقسيمات والفوارق بين الوسائل والغايات.
بالتجربة عرفت أنه لا شيء في هذه الحياة يعدل ذلك الفرح الروحي الشفيف الذي نجده عندما نستطيع أن ندخل العزاء أو الرضى، الثقة أو الأمل أو الفرح إلى نفوس الآخرين!
إنها لذة سماوية عجيبة ليست في شيء من هذه الأرض، إنها تجاوب العنصر السماوي الخالص في طبيعتنا، إنها لا تطلب لها جزاء خارجيًا، لأن جزاءها كامن فيها!
هنالك مسألة أخرى يقحمها بعض الناس في هذا المجال، وليست منه في شيء.. مسألة اعتراف الآخرين بالجميل!
لن أحاول إنكار ما في هذا الاعتراف من جمال ذاتي ولا ما فيه من مسرة عظيمة للواهبين، ولكن هذا كله شيء آخر.. إن المسألة هنا مسألة الفرح بأن الخير يجد له صدى ظاهريًا قريبًا في نفوس الآخرين، وهذا الفرح قيمته من غير تلك، لأنه ليس من طبيعة ذلك الفرح الآخر الذي نحسه مجردًا في ذات اللحظة التي نستطيع أن ندخل فيها العزاء أو الرضى، الثقة أو الأمل أو الفرح في نفوس الآخرين! إن هذا لهو الفرح النقي الخالص الذي ينبع من نفوسنا ويرتد إليها بدون حاجة إلى أي عناصر خارجية عن ذواتنا.. إنه يحمل جزاءه كاملًا، لأن جزاءه كامن فيه!
لم أعد أفزع من الموت حتى لو جاء اللحظة! لقد أخذت في هذه الحياة كثيرًا.. أعني: لقد أعطيت!!
أحيانًا تصعب التفرقة بين الأخذ والعطاء، لأنهما يعطيان مدلولًا واحدًا في عالم الروح! في كل مرة أعطيت لقد أخذت.. لست أعني أن أحدًا قد أعطى لي شيئًا، إنما أعني أنني أخذت نفس الذي أعطيت، لأن فرحتي بما أعطيت لم تكن أقل من فرحة الذين أخذوا.
لم أعد أفزع من الموت حتى لو جاء اللحظة.. لقد عملتُ بقدر ما كنت مستطيعًا أن أعمل! هناك أشياء كثيرة أود أن أعملها لو مُدَّ لي في الحياة، ولكنّ الحسرة لن تأكل قلبي إذا لم أستطع، إن آخرين سوف يقومون بها. إنها لن تموت إذا كانت صالحة للبقاء، فأنا مطمئن إلى أن العناية التي تلحظ هذا الوجود لن تدع فكرة صالحة تموت..