-وموسى ـ عليه السلام ـ أمره ربه (فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) [طه:47] وقالَ للناس: (...مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً) [طه: من الآية59] ، فأخذ منهم موعدًا ليبينَ لهم ما عنده حتّى يدخلوا في مطلوب موسى ـ عليه السلام ـ عن قناعة، وليسَ عن ضغط سلطوي: (...يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي...) [القصص: من الآية38] ، وتهديده (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشعراء:29] . وكانت النتيجة كالفلق، )فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه:70] . وإذا تأملتَ الأجواء التي كانت تغيمُ على حياةِ موسى ـ عليهِ السلام ـ منذ مولده إلى نبوته وجَدتها أجواءً ملبدة بغيومٍ سوداء مظلمة، فهو وُلد في وقتٍ كان فرعون فيهِ عاليًا في الأرض (... وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: من الآية4] ، ثمَّ بعد وضعه: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ...) [القصص: من الآية7] ليصل إلى (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ، وكاد يقتل لولا أنَّ امرأة فرعونَ قالت: (...قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا...) [القصص: من الآية9] ، وفي هذهِ الأيام العصيبة التي ينتظر فيها التسلية والسلوى، يحرّم ربنا بحكمة بليغة المراضعَ على الطفل موسى، ولمّا استوى بلغ أشده، واستوى كان فصل جديد من المعاناة ينتظره (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) فتلبسَ بجريمةِ قتل كان من نتاجها (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) ، ثمَّ إذا بالذي نصره موسى بالأمس يفضح أمره بين الناس (قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ) ، وما إنْ قالَ كلمته حتّى (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ) لتُفرضَ عليهِ غربةٌ إثرَ غربةٍ، فيخرج من فورِهِ دونَ متاعٍ ولا زادٍ، بل (خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) لتأتيه البشارة أخيرًا: (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .
إنَّ حقيقة يقين المصلح تتبين في مرحلة ضعفه؛ إذ ليس بمصلحٍ مَنْ كانَ يقينه ضعيفًا، وليس بصاحب يقينٍ مَنْ تنفرج أساريره وتبتهج نفسه وينشرح صدره ويتهلل وجهه حينَ يرى قوة الإسلام وعزة أهله، ما لم تصحبه هذه المشاعر في حلك الظلم، واشتداد الضيق، واجتماع الكروب، وتكالب الأمم، لأن أمله بالله كبير، ويقينه بأن العاقبة للمصلحين المتقين، وأن المستقبل ينتظره ـ بنصِ كتاب الله ـ: (إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) قال ابن القيم:"واليقين قلب الإيمان ولبّه، وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول" (4) ، وقال:"سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ يقول: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، ثمّ تلا قوله ـ تعالى ـ: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (5) ."
بلّ إن الإيمان واليقين لمّا قرّا في نفسِ السحرة، وهم الذين أسلموا قريبًا كانَ موقفهم: (...فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه:72-73) .