فمما يجدر بالمصلح أن يتنبه إليه، بل يجعله عقيدة يدين الله بها، ويجعله مِنْ صميم ما يربي عليه من حوله: أنَّ الله يريد من عباده أن يكونوا واثقين بنصره، كما وثقت أم موسى ـ عليه السلام ـ بوعد الله، حين قال لها: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) ، مع خطورة اليمّ، وحنانِ الأم، وبطش فرعون، إلا أنها امتثلت لأن الله وعدها، (وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .
إنها عقيدة المصلح إيمان بالقدر، مع يقين بالظفر، مع فعل السبب في حدود الطاقة البشرية المتاحة، ثمَّ يكل النتائج لله علام الغيوب، فتأتيه بالنصر أو الأجر، وفي الحديث قال قدوتهُ إمام المصلحين ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير ـ وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ـ؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (6) .
كذلك من المعاني التي يتذكرها المصلح في يومِ عاشوراء، أنَّ المصلحَ الحقيقي تدفعه النعم ولا ترده، وأنّهُ يسلكَ الطريق بحلوهِ ومرّهِ، فلن تبسمُ له الورود حتى تجرحه الأشواك، وأنَّ المصلحَ يجب عليه أن يخاطِبَ الناسَ بخطابٍ شمولي، وأنْ تكونَ رسالته للملك ـ وإن كان طاغية ـ، وللفسقة وأصحاب المعاصي ـ وإن كانت كفرًا ـ، وللناسِ عمومًا ـ وإن كانوا مستضعفينَ في الأرض ـ، وعلى المصلح أن يوقف نفسَهُ للهِ، فلا يطلبُ مِنْ الناسِ شيئًا، ولا يستجدي من المخلوقات عوضًا، بلْ (..لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) لتكونَ النتيجة: (فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا...) .
ويتصور هذا المعنى في مشروعيةِ صيام يوم عاشوراء، فإن الله يقول:"كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به".
ويتجلى هذا المعنى السامي في قصة موسى ـ عليه السلام ـ مرتين: في المرة التي عِندما اقتص للمظلوم من القبطي الظالم. وفي قصته عندما سقى (لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) ولم يبث إليها شكوى، ولم يقص لهما ما جرى، بل التجأ لمن يعلم السر وأخفى (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) ، على الرغمَّ من أنهُ محتاجٌ للمال في ذلك الظرف العصيب، والكرب الصعب، إلا أنه تذكر معنيين جميلين:
الأول: نعمة الله عليه بنجاته من مغبة قتل القبطي، ووصوله لهذه البلاد.
الثاني: حاجته وافتقاره إلى الله، وتعلق أمره بنصر ربه.
ولم يلتفت إلى الدنيا أثناء عمله هذا، فكان جزاؤه أن جاءته (إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) ، ثمّ قال له: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ) . وهكذا جميع المصلحين فإنهم يعملون لله، لا لدنيا يصيبونها ولا امرأة ينكحونها، فإن حصل شيء عرضًا لا قصدًا فإنه من"عاجل بشرى المؤمن" (7) .
ومن المعالم الإصلاحية العظيمة في قصة موسى ـ عليه السلام ـ أنّهُ جعل كل نقطة يمكن المرور بها، ولم يمتنع عَنْ عملٍ شريف لأنه يسعى إلى مقصد عظيم بل رعى الغنم عند والد الفتاتين على أن يأجره ثماني حجج، فأتمّ عشرًا، وكذلك نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ رعى الغنمَ، وكل أنبياء الله مثله ـ كما في الموطأ ـ. فهو كسائر المصلحين يعلم متى تأتيه الفرصة المناسبة المواتية ليبث برنامجه الإصلاحي.
كذلك من الإشارات في طريق المصلح: أنّه لا ينتقم لنفسه، بل يدع الانتقام والانتصار يأتيهِ من ربه، فالله ـ عزّ وجل ـ يؤكد على هذا المعنى بقوله: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) ، وموسى ـ عليه السلام ـ ما اعتبر ما جرى من فرعون من مطاردة ومحاربة أنّهُ أمر شخصي ينتقم مِنهُ لأجله، بل جعله أمرًا عامًا؛ لأن مقصده الإصلاح وتأدية رسالته، بدلالة أنّهُ قَدِمَ إلى فرعون بنفسِهِ مصلحًا وداعيًا، ولو كانَ منتقمًا لنفسِهِ ما سلكَ هذا السبيل، وما اقترب من هذا الطريق.
ومن نهج المصلحين: أنّهم لا يملكون أعزّ من رسالتهم التي يريدون إيصالها، فينافحون عنها بشجاعة، ويقاتلون لأجلها بجرأة، ويقدمون لطرحها بوضوح، وشجاعة المصلح مكتسبة من أمور ثلاثة:
الأول: قوة يقينه برسالته.
الثاني: قوة يقينه بمعية الله ونصره؛ لصحة رسالته (فأمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً)
الثالث: فطرة تجعله مقدامًا سبّاقًا، وبإمكانه أن يكتسبها بالمران، ومن كان عِندَهُ يقينٌ كانَ عنده من الشجاعة بقدره.