فتتطلب أولًا: رصيدًا من العلم الشرعي - قد لا يملكه - باعتبار تخصصه أو باعتبار ضعف حصيلته ، أوقلة اهتمامه ، أو دخوله في الاستقامة حديثًا ،أو لأي اعتبار آخر.
وقد يشعر أن الدعوة تحتاج منه إلى أن يكون كاتبًا أو خطيبًا أو رجلًا مؤثرًا … إلخ ، فهو قد يشعر أن هذه الدعوة تتطلب قدرات وإمكانات لا يطيقها هو ولا يملكها ، وحينئذٍ يتساءل بجد: ما الدور الذي أقوم به ؟
إن كل إنسان في المجتمع وأيًّا كانت قدراته ، أيًّا كانت مكانته يستطيع أن يفتح حوارًا مع الناس الذين حوله ومع أقرانه ؛ فالطالب مثلًا يستطيع أن يناقش أحد زملائه ، ويحادثه حديثًا وديًّا ، ليس بالضرورة أن تكون نصيحة موجهة ، أو خطابًا رسميًّا كما يقال له يا أخي أنا أود أن أسألك سؤالًا: هل أنت راضٍ بوضعك الآن ؟ هل تشعر أن الحال التي أنت عليها ترضي الله ورسوله ؟ هل لو أتاك الموت على هذه الحال أنت راضٍ ؟ ألا ترى أنك خلقت لحكمة وغاية ألا يستطيع أن يقول هذا الكلام ؟!! وهل يرى أحد أن هذا الكلام يحتاج إلى علم جم وغزير ؟، أبدًا هذا الكلام يستطيع أن يقوله كل مسلم.
حينما تجد زميلًا لك قد بدأ يصاحب الأشرار وتأخذ بيده وتقول يا أخي أنت تعرف أن الأشرار قد يؤثرون عليك وقد يوقعونك في الفساد وقد تبدأ أنت معهم من نقطة صغيرة وتنتهي إلى نهاية مزعجة وأنت تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من صحبة الأشرار وهو صلى الله عليه وسلم ناصحٌ لنا وقد ضرب لنا مثلًا بالجليس الصالح والجليس السوء .
أنا لا أتصور أبدًا أن أحدًا منكم لم يمر عليه هذا الموقف ، لا أحد منكم لم ير زميلًا له قد بدأ يصاحب الأشرار ، لكن من منا حينما رأى زميله يصاحب الأشرار وقد بدأ معهم هذه الخطوات طرح معه هذا الحوار وهذا الحديث ، صحيح أنه كلما كان الإنسان أكثر قدرات كان أقدرعلى الإقناع ، لكن ضع في ذهنك أن الشخص المقابل لك هو في مستواك ومثلك ، فحين تكون أنت طالبًا في المرحلة المتوسطة أو الثانوية أو الجامعة أو موظفًا ، فالذي تتعامل معه هو مثلك تمامًا مثل ثقافتك ، مثل قدراتك ، بل أنت قطعًا ستكون أكثر قدرات منه باعتبار أنك إنسان متدين على الأقل أنت تقرأ ، وأنت تسمع ، نحن نريدك أن تعيش مع من هو مثلك، وهكذا نشعر أنه لا توجد فئة من فئات المجتمع إلا تستطيع أن تخاطب من في مستواها.
إن أي إنسان في المجتمع يستطيع أن يجيد مثل هذه اللغة مع من حوله من الناس ، إذن فاستخدام هذا الأسلوب وهذه اللغة سيقضي على هذا التساؤل ، وسنشعر حينما نفكر هذا التفكير أن الميدان قد أصبح مفتوحًا للجميع ، وأصبحت قضية الدعوة تستوعب كل الناس، وتستوعب كل الطاقات في المجتمع ، نحن لا نجادل أبدًا أن التصدر لدعوة للناس يجب أن تكون لطبقة تأهلت لذلك ، ونحن نشعر أنه لا يجوز بحال أن يدعو الإنسان الناس إلى شيءٍ لا يعلمه، ولا يجوز أن يتصدر المقل لما لا يحسنه هذه قضايا بديهية ولسنا بحاجةٍ أن نؤكد عليها ، لكن هناك قضايا لا يعذر بها أحد ، فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما خاطب الأمة قال: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده … ) )فكل مسلم يرى المنكرات التى يعلم الجميع أنها منكر.
الأمر الرابع: سعة الانتشار
أن هناك وسائل دعوية قد تمتلك رصيدًا من الجاذبية ، وقد تملك عاملًا من عوامل الجذب والإثارة ، لكنها تخاطب فئة محدودة من الناس وشريحة قليلة مهما بلغت من الانتشار فالكتاب إذا طبع منه عشرة آلاف نسخة اعتبر واسع الانتشار ، والكتاب المثير لا يزال في عالمنا الإسلامي- الذي لا يعرف القراءة -لا تعد الأرقام فيه بالملايين بل بالآلاف ، وافترض أن هذا الكتاب طبع منه مليونا نسخة أو ثلاثه ملايين نسخة ، ماذا تصنع مع العالم الإسلامي الواسع ؟.
والشريط الذي يعد وسيلة واسعة الانتشار ، ما أعلى رقم يباع منه ؟ فئة محدودة من الأشرطة التي تنتشر انتشارًا واسعًا ، وستبقى محصورة في دائرة معينة مهما اتسعت الانتشار لكن حينما تتوسع قضية الدعوة ، و نفتح مجالًا للحوار و يصبح كل واحد يحمل قضية الدعوة ؛ فهذا يعني أننا سنخاطب المجتمع بأسره ، وسنخاطب كافة الطبقات ، ولا شك أن دين الله عز وجل يجب أن يبلَّغ للناس وأن يخبر به الناس كافةً .
دعنا نسأل: هل هناك شاب في مجتمعنا لم يتقابل مع شاب متدين أبدًا ؟ اذهب إلى الشارع في أي مكان وأمسك بيد أي شاب واسأله عن ذلك ، فستراه قد قابل شابًا متدينًا في المدرسة، وربما كان في فصله، أو جاره في المقعد، وقابل شابًا في الحي ، ربما كان قريبًا له أو أخًا .
وانظر إلى أي فتاة في المجتمع ، ألم تقابل يومًا من الأيام فتاةً متدينة ؟ معلمة،أو زميلة، أو جارة، وهكذا سائر فئات المجتمع.
حينما تكون الدعوة قضية نحملها في كل مناسبة، وقضية حوار نفتحه في كل وقت في حالات فردية أو جماعية ، حينما نقابل أي شخص نفتح معه هذا الحوار ، فهذا يعني أنَّ هذه الرسالة أوستصل للناس كافة ، وستصل إلى طبقات واسعة من المجتمع .