كثير من الطلاب الذين قد حاورتهم شخصيًّا ، يقول لي: إني أول مرة أسمع هذا الكلام، وأول مرة أجد من يواجهني بهذا الخطاب ، وهذا منطق عجيب ، أنت تعيش في بيئةٍ مليئةٍ بالمتدينين كم أستاذا متدينًا درسك ؟ كم طالبًا متدينًا زاملك ؟ كم قريب لك متدين ؟ ومع ذلك لا يوجد واحد منهم دعاك أو نصحك .
الأمر الخامس: الحوار اتصال من أكثر من طرف
كثير من الوسائل الدعوية تعتمد على الخطاب من طرف واحد ومن جهة واحدة ، الآن وأنا أتخاطب معكم أتحدث وأنتم تسمعون، والأستاذ يتحدث مع الطلاب في الفصل من طرف واحد، الطالب يستقبل والأستاذ يتحدث ،وهكذا الخطيب والكتاب والشريط كلها وسائل اتصال من طرف واحد .
أما الحوار فيقيس التفاعل مع المستمع وردة فعله، ويتيح للمستمع أن يطرح اعتراضه ويبدي اقتناعه.
الأمرالسادس: قلة العقبات
حينما تنشر كتابًا أو شريطًا فأنت تحتاج إلى خطوات وأعباء تستغرق وقتًا وجهدًا ، وقد تكون أكثر من العائد المتوقع من هذه الوسيلة ، أما الحوار فهو ميدان متاح في أي وقت وأي مجال .
الأمر السابع: الحوار لا يحتاج إلى متفرغ
إن هذا النوع في الدعوة لا يتطلب تفرغًا ، ولا مزيدًا من الأوقات ، فأنت في المدرسة تتحدث مع زملائك في وقت الفسحة ووقت الراحة ، وأنت في العمل تتحدث معهم ، وأنت في مناسبة اجتماعية تتحدث مع الناس.
وكثير مما نطرحه في المجالس حديث فارغ وكلام غير مفيد ، هذه الفرص واللقاءات موجودة نستطيع أن نستثمرها في قضية دعوية ونفتح هذا الحوار، فلا تحتاج إلى تفريغ وقت، ولا نحتاج إلى جهد ، ولا تحتاج إلى تحضير موضوع ولا إلى إعداد فبدلًا من أن يكون حديثك حول هموم الدنيا وحول الهموم الخاصة يكون حول هذه الأمور والقضايا المفيدة .
الأمر الثامن: حتى تصبح الدعوة قضية حية
إن هذا الأسلوب يحول قضية الدعوة إلى قضية حيّة ، قضية تعيش في النفوس وقضية لا يتكلف لها الإنسان ولا يحسب لها حسابًا، وتصبح جزءًا من حياتنا.
أضرب لك مثالًا بقضية التشجيع والحديث عن الرياضة ؛ قلما تجد مجلسًا للشباب أو الفتيات إلا وتجد أمور الرياضة تملأ الحديث فتجد نقاشًا طويلًا وجدلا،ً وكل إنسان يبدي ما لديه من قدرات في الإقناع برأي معين حول هذا أو ذاك ، هذه قضية تلقائية لا شعورية في أي مناسبة في أي وقت تسيطر عليهم ، حينما نعيش نحن هذه القضية - قضية الدعوة - وتصبح قضية تشغل بالنا وسيطر علينا في كل مناسبة وكل وقت وتتحول إلى قضية حيّة - فلا تكون مقصورة على وسائل خاصة وعلى برنامج واحد نؤديه .
إذا قابلت إنسانًا في الطائرة تحدثت أنا وإياه وأثرت قضية من القضايا ، وإذا جلست في مناسبة زواج مع أحد الأقارب تحدثت أنا وإياه ، وفي الفصل ، وفي المدرسة ، وفي مقر العمل ، في أي مكان وأي مناسبة مع من تعرف ومن لا تعرف ، والناس تلقائيًا في أي مناسبة أو لقاء يدور بينهم حوار وحديث، ويدخلون في موضوعات ويشّرق أحدهم ويغرب . فلم لا يكون للقضايا الدعوية الجارة نصيبًا من هذه القضية ؟
إذا حين نحيي مبدأ الحوار ونستثمر الفرص المتاحة تصبح قضية الدعوة جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، بخلاف ما لو نشعر أنها قضية رسميّة- كما يقال- وكأنها قضية تحتاج إلى إعداد و خلافة… .
هذه بعض الأمور التي تؤيد أن تكون قضية الحوار والجدل مبدأً وأسلوبًا من أساليب الدعوة التي يجب أن نعيشها ونمارسها .
من وسائل الإقناع
أقد يتساءل البعض كيف أقنع الناس ؟ وقد تواجهني عقبات كثيرة فكيف أتخطاها؟ هذا يحتاج إلى حديث آخر لكن يمكن أن نشير إلى بعض القضايا المهمة فيما يتسع له الوقت وهي قضايا نحتاج إليها في الحوار والجدل حتى يكون الحوار الذي نريده:
من وسائل الإقناع أولًا: يجب أن لا تُلجئ صاحبك للاعتراف بالخطأ ، فحينما تتحاور مع شخص فلا تضطره إلى ذلك لأن هذا صعب جدًّا على النفس، ولعلك تستعيد من الذاكرة مواقف الجدل فأحيانًا يكون الجدل في قضية تافهة ويظهر الحق لكن يكاد المخطئ ويأبى أن يعترف فقدّر مشاعر الناس فلست في مجلس قضاء تريد أن تدين خصمك لكنك ببساطة تريد أن تثير القضية، وهذا سيتحقق بدون اعترافه بالخطأ .
الأمر الثاني: أعطه فرصة للتراجع فعندما يحضر شخص ويطرح رأيًا فأتناقش معه، فمن الممكن أن أقول له أنا أعرف أن هناك نقصًا في معلوماتك، ولو كنت تعرف هذه المعلومات لوافقتني فهذا الأسلوب يجعل مَنْ أمامك يتراجع ، أو أقول له أنت انتبهت لجانب من الموضوع وهناك جانب آخر، فأعطه فرصة للتراجع ، فالمحاور الذكي هو الذي يعطي فرصة مقنعة ومعقولة للتراجع .
الأمر الثالث: الانطلاق من نقطة الاتفاق ، فعند جدالك مع أي شخص يجب أن تنطلق معه من نقطة تتفقون عليها.
من يطعن في واقع المتدينين ويضرب على ذلك أمثلة من واقعهم يمكنك أن توافق على المقدمة لكن تتحفظ على النتيجة، فتقول ربما أن فئة منهم تقوم بما تقول لكن ليس بالضرورة أن هذا حال جميعهم؛ فلا تصر على نقاط الخلاف فتخسر كل القضية .