فهرس الكتاب

الصفحة 15835 من 27345

إنّ فصائل العمل الإسلامي قامت بجهود جبارة في رفع الجهل عن الأمة وفي بنائها حضارياَ وسلوكيًا، وواجهت بكل بسالة صور الظلم والتغريب والاستعمار بشتى صوره، ونجحت في تغيير السلوك في آحاد الأمة.

ولكنها فشلت في خطابها الجماهيري في الأدوات والأساليب حتى ظلت المنابر الدعوية تخاطب نفسها بأساليب تقليدية إلى حد كبير.

وفشلت أيضًا في ردم الخلاف فيما بينها رغم أن كثيرًا من الخلاف لا يعدو خلافًا في الأولويات بل بعضها خلاف إداري لا أكثر.

إن (الأمة) بحاجة أن تسمع لبعضها، إن الاستماع لرأي الآخر أساس لفهمه ونقاشه، وكثير من المتخالفين انتهى كثير من خلافهم بمجرد سماع بعضهم من بعض، إن على الإعلام أن يُسمع صوت الجميع لبعضهم.

إن إتاحة الإعلام فرصة للجميع أن يتحدثوا عن أنفسهم وآرائهم للأسباب التالية:

(1) هو حق مشروع لكل مسلم فضلًا عن داعية أن يعبر عن رأيه وفكره.

(2) أنّ تعتاد الأمة على أخذ المعلومة من أصحابها ما أمكنهم ذلك.

(3) أنّ كثيرًا مما يُنقل عن الآخرين هو غير دقيق ولا صحيح مما يزيد الفرقة بين الأمة.

(4) فتح المجال للجميع أن يتحدث وفق أطر واحدة يشعر الأمة بأن قضاياها واحدة مما يساهم في وحدة الأمة.

ولنا هنا ملاحظات عدة على مناهج الإعلام في التعامل مع اختلافات الأمة:

ـ من إعلامنا من جعل الخلافيات هي مصدره الإعلامي فهو يذكيها كلما خبأت ويختار من ضيوفه من يؤجج هذه الخلافيات.

وللأسف فإن هذا الإعلام قد يوصف بالمصداقية أو أنه لا يداهن في الدين وأنه يقول الحق ولا يخاف لومة لائم.

ـ من إعلامنا من لديه (صرامة منهجية) في الأقوال والرجال فكل ما يقال في وسيلته الإعلامية فهو يعبر عن رأي هذه الوسيلة بل وربما أعتذر مرارًا عن كلمات عابرة لا تتطابق مع كلماته المنهجية وتكون الصرامة بالرجال فلا يستضاف إلا من هو خالص الولاء لهذه الوسيلة ولو استضاف غيره ففي المجال الذي يوافقه فيه بل ربما أعتذر عن ذلك. وهذه الصرامة قد تناسب التعليم ولكنها لا تتناسب مع الإعلام للفوارق السابقة.

ـ من إعلامنا من ينصُّ على أنه عام للأمة ومعبر عن الجميع ولكنه في التطبيق وسيلته هي لسان متحدث باسم حزبه وجماعته، إن النص على تخصيص إعلام لمؤسسة أو منظمة أمر معتاد لا لوم فيه ولكن الإشكال أن يُدّعى أنها لعموم المسلمين في العالم وهي لا تعدو تتحدث عن آحاد تناصرهم بحق وباطل.

إنّ الحق في التفاصيل لا يملكه أحد معيَّن بل هو مشاع في عموم الأمة وكلما كان الإعلام أكثر نضجًا كانت قدرته على جمع الحق أكبر وكلما كان أثره أطيب على الأمة.

إننا هنا لا نلوم من يناصر الحق الذي عنده إذ أن هذه طبيعة بشرية ولكن عرض الحق بأساليب صحيحة تدعم إتحاد الأمة وتوحدها ولا تفرق الأمة وتباعدها.

إنّ إتاحة الفرصة للمخالف أمر عسر على النفس وخصوصًا عند من لم يعتاده ولكنه مع الزمن تظهر الإيجابيات العظيمة في جمع كلمة الأمة.

هل يعني ذلك أن الإعلام أداة محايدة يجب أن لا يؤثر فيها توجهات الإدارة والملاك، إن الإعلام المحايد هو ضرب من الخيال وخدعة كبرى، ولا يمكن لأصحاب أموال سواء كانوا حكومة أم قطاعًا خاصًا أن تضع مئات الألوف بل والملايين وليس لهم رؤية يريدون بثها في الأمة.

لاسيما أن (الإعلام) مشروع اقتصادي غير فعّال فهو مرتفع التكاليف بالغ المخاطرة بطيء الربحية. لا يقدم عليه إلا صاحب هدف غير اقتصادي غالبًا وإن كان اقتصاديًا فهو مشروع يخدم مشاريع اقتصادية أخرى وليس لذاته.

إن الإعلام المؤثر فعلًا هو الذي يفهم عقلية الجمهور ويخاطبهم بطريقة احترافية غير مباشرة، إعلام يدرك الرسالة جيدًا ويوصلها أحيانًا بلسان من يعارضها.

من الطبيعة البشرية الخلاف والاختلاف، ولا يمكن أن يطلب من أهل الإعلام تجاوز هذه الطبيعة بل إن بعض هذا الخلاف الخوض فيه مطلب شرعي.

فنقد الأشخاص والهيئات والأحزاب والدول جزء من الإعلام لا ينفك عنه، ولكن هناك شروط تجعل النقد والخوض في الخلاف مؤازرًا للوحدة.

(1) الرحمة: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [سورة الأنبياء: 107] فلغة الرحمة والشفقة أثناء النقد يقرّب القلوب ويجمع ولا يفرّق بخلاف لغة التهكم والسخرية أو التشفي الذي يفرق بل وتخسر به المحايدين من الناس.

(2) العلم: أن تكون المعلومات عن الخصم صحيحة وليست مفتراة وتمثِّل الخصم فعلًا وليست مواقف شاذة ً من آحاد ينتمون للخصم ويكون يعتقده الآن وليس أمرًا رجع عنه، قال تعالى: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم) [سورة الإسراء: 36] وجاءت مؤكدة بوضوح في قوله صلى الله عليه وسلم: (( على مثل هذا فاشهد ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت