فهرس الكتاب

الصفحة 15951 من 27345

أنه درب ممتد ، يَقوم المؤمن فيه بهذه الأنشطة والتكاليف الربانية ، وكل تكليف منها هو ذكر لله وعبادة له: قيام الليل ، تلاوة القرآن الكريم ، القتال في سبيل الله ، إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والإنفاق في سبيل الله ، وإقراض الله قرضًا حسنًا ، ليَعْنيَ امتداد العمل الصالح على هذا الدرب ، وعلى صراط مستقيم ، يصاحبه ذكر الله ، أو يكون هو نفسه ذكرًا لله .

( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ، وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لو أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعلمون ) [ المنافقون: 9ـ 10 ]

ارتبط ذكر الله هنا بالصراط المستقيم الممتد ، الذي لا يجوز للمسلم أن يلهيه عنه أمواله ولا أولاده ، لتظل مسيرته على صراط مستقيم في سبيل الله ممتدّة مع ذكر الله ، أو هي كلها ذكر الله: ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله .) وارتبط كذلك بقضية الإِنفاق في سبيل الله ليؤكد القرآن الكريم أهميتها ، ولأنها موضوع رئيس في السورة كلها ، ولأنها من أهم قضايا المسيرة في سبيل الله .

وصورة أخرى في سورة التغابن تربط العمل كله بالله سبحانه وتعالى . تربط العفوَ والتقوى والسمع والطاعة والإنفاق ثم الانطلاق في سبيل الله الممتد ، تربط هذا كله بالله وبذكر الله يأتي هذا كله من خلال آيات بيّنات في ذروة البيان الحق:

( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا فإن الله غفور رحيم . إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم . فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرًا لأنفسكم ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون . إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم . عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ) [ التغابن: 14 ـ 18 ]

ففي هذه الآيات البيّنات ارتبط الحذر والعفو والصفح والمغفرة بالله سبحانه وتعالى . جاء الأمر منه سبحانه وتعالى"فاحذروهم"، وضرب الله للمؤمنين مثلًا من نفسه ليغفروا ويحذروا في هذا الموقف ، فالله غفور رحيم . وربط التقوى بالله: ( فاتقوا الله .. ) ، ثم ارتبطت بالله سائر التكاليف ( واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا . ) وامتد السبيل في تعبير قرآني جامع معجز ممتدّ الظلال: ( إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعفه لكم ... ) فكأنما العمل الصالح المرتبط بذكر الله قرض لله !

هذا كله هو ذكر لله ممتد في حياة المؤمن ، لترتبط أعماله كلها ، صغيرها وكبيرها ، بالله سبحانه وتعالى ، ليصبح ذكر الله هو الجامع لهذه الأعمال كلها ، والدافع ، والموجة لها .

( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ) [ النور: 37 ، 38 ]

( لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) ! ثم تلا ذلك الصلاة والزكاة إشارة إلى الشعائر التي هي الأساس الذي يقوم عليه الإسلام كله ، وعمل المؤمن كله ، ولا يُقْبَل العمل دون الوفاء بها ، كما يفيد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بُنيَ الإسلام على خمس ... )

( لا تلهيهم عن ذكر الله ... ) ، عن العمل في سبيل الله ، عن الصراط المستقيم ، عن النهج الممتد الذي ينيره ذكر الله في كل سعي يمضي به المؤمن ليوفي عهده مع الله ، ويؤدي الأمانة التي حملها ، والخلافة التي جعلت له والعبادة التي خُلق لها من خلال ابتلاء وتمحيص .

ويوضح لنا سبحانه وتعالى هذا السبيل الممتدة والصراط المستقيم بآيات ، تصور لنا السبيل في أساليب متعددة شتى . ففي سورة الصف نجد الصورة التالية في آيات بيّنات:

( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم . وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ) [ الصف: 10 ـ 13 ]

صورة مشرقة ودرب جليّ مشرق ممتد ، يشرق بذكر الله في كل عمل فيه . ( تؤمنون بالله .. ) ! وهذا هو أول الذكر ، والقاعدة الرئيسية التي يقوم عليها كل عمل بعد ذلك . وهل هنالك ذكر أشد من الإيمان به ، ثم الانطلاق للعمل بطاعته على صراط مستقيم . ويصوّر لنا القرآن الكريم هذا الصراط المستقيم بالجهاد في سبيل الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت