فهرس الكتاب

الصفحة 15968 من 27345

ومن هنا فإن الإسلام في سعيه إلى وقاية المسلم من التشبه بالكفار عمل على تقوية شخصيته الاستقلالية، عن طريق تحقيق فرديته أي: اعتداده بنفسه، والحفاظ على ذاتيتها واستقلالها، وذلك بتحقيق كرامته الإسلامية الإنسانية، وضمان حرياته العامة، وتقرير مسؤوليته الشخصية، وربط قلبه بالله وحده.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لا يكونن أحدكم إمّعة) ، قالوا: وما الإمعة يا أبا عبد الرحمن؟ قال: (يقول: إنما أنا مع الناس، إن اهتدَوا اهتديت، وإن ضلّوا ضلَلت، ألا ليوطِّن أحدكم نفسه على إن كفر الناس أن لا يكفر) [3] .

قال الزمخشري:"الإمّعة هو الذي يتبع كلَّ ناعق، ويقول لكل أحد: أنا معك، لأنه لا رأي له يرجع إليه" [4] .

وقال القاري:"فيه إشعار بالنهي عن التقليد المجرّد حتى في الأخلاق, فضلًا عن الاعتقادات والعبادات" [5] .

2-تكوين روح الجماعة لدى المسلم:

اعتنى الإسلام بتكوين روح الجماعة لدى المسلم إلى جانب تكوين روح الاعتداد بالنفس لديه، حتى يتكون المجتمع من أفراد أقوياء متعاونين متحابين متساندين صفًا واحدًا كأنهم بنيان مرصوص، تتكاتف جهودهم للعمل لهذا الدين والانتصار له وإقامة الأمة الإسلامية القوية المنيعة التي تتأبى على الذل والهوان، وتترفع عن الخضوع للكفار والتبعية لهم.

ومن الطرق التي سلكها الإسلام لتكوين الروح الجماعية لدى المسلم ما يلي:

أ- تقوية أواصر الأخوة الإسلامية بين المسلمين والتحذير من كلّ ما يزعزعها.

ب- تكوين الوعي الكامل بوحدة الأمة الإسلامية وترابط مصالح الفرد والجماعة.

ج- تقرير المسؤولية الجماعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

د- التأكيد على الجماعة في الشعائر التعبدية المشروعة أداؤها جماعة كالصلاة المفروضة.

هـ- الدعوة الصريحة إلى لزوم جماعة المسلمين وترك التفرق.

وإذْ يَهْتم الإسلام هذا الاهتمام الكبير بأن يكون المسلم متآلفًا مع الجماعة، فإنه لا يترك هذه الروح الجماعية بدون شروط تجب مراعاتها، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة تبين هذه الشروط التي يجب توفرها في تنمية الروح الجماعية، ولعل أهم هذه الشروط أن يكون الاجتماع والتآلف والتآخي على أساس الإيمان والتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَءاتَوُاْ الزكاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ} [التوبة:11] .

ومن هذا الباب جاء الحث على اختيار الرفقة الصالحة حتى تكون وسيلة للتعاون على الخير والمحافظة على شخصية المسلم ووقايتها من الذوبان والانحلال الذي ربما جر ـ والعياذ بالله ـ إلى التشبه بالكفار.

فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة ) ) [6] .

وإن الروح الجماعية وعملية اختيار الرفقة الصالحة إذا تم تكوينهما وترسيخهما في نفس المسلم تكون لهما آثار إيجابية في حياة المسلمين أفرادًا وجماعات ودولًا وشعوبًا، ومن تلكم الآثار ما يلي:

أ- التعلم والتعليم واكتساب الخبرات.

ب- اكتشاف صفات النفس.

ج- التأدب والتأديب.

د- بعث الأمل في النفس وتجديد النشاط.

هـ- التعاون من أجل التمكين لدين الله في الأرض.

و- حفظ الهيبة والكرامة الإسلامية.

ز- بث روح التراحم والتوادد بين المسلمين.

3-تكوين روح الاعتزاز بالدين لدى المسلم:

إن الإسلام في سعيه لتكوين روح الاعتزاز بالدين لدى المسلم يتعامل مع الفرد من خلال قواه المختلفة: قواه العقلية، وقواه العاطفية، فلا يكتفي بمخاطبة عقله دون وجدانه، ولا بمخاطبة وجدانه دون عقله، بل يتعامل مع هذا وذاك، يتعامل مع العقل لكونه مركز الإدراك والتمييز، ويتعامل مع الوجدان باعتباره وعاء المشاعر والأحاسيس, ويتعامل مع الإرادة لكونها مركز التوجيه واتخاذ القرار النهائي.

يتعامل الإسلام مع الفرد من خلال هذه القوى ليصل إلى تأكيد انتمائه إلى الإسلام بعقائده وعباداته وأخلاقه ومعاملاته، بل أكثر من هذا ليصل به إلى أن يصبح معتزًا بهذا الانتماء إلى الإسلام بمعناه الواسع، فيكون محبًا له، متبعًا لأحكامه ومعرضًا عن اتباع ما سواه من الأديان والمناهج البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت