والمقصود بالاعتزاز بالدين هو شعور المسلم بالرفعة والغلبة والقوة على أعداء الله وآلهتهم، الشعور بعلو الإيمان على الكفر، وبعلو الإسلام على سائر الأديان السماوية وعلى ملل الكفر كلها، والشعور بأن شعوب هذه الأمة الإسلامية هم الأعلون على سائر شعوب الأمم الأخرى ما تمسكوا بالإسلام، وشعور المسلم بمحبة الله تعالى له، وبمحبته هو لله ولرسوله ودينه، ثم توكله على الله سبحانه واستمداد العون منه وحده، قال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة:54] .
والله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاعتزاز بالدين، فقال سبحانه: {قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ m إِنَّ وَلِيّىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف:195، 196] .
والاعتزاز بالدين بهذا المعنى لا يتأتى إلا بمعرفة حقيقة هذا الدين، والتعرف على محاسنه ومزاياه، وعلى خصائصه وضرورته للإنسان واستغنائه به عن غيره. ذلك لأن الاعتزاز بالشيء ناتج عن محبته، ومحبة الشيء ناتجة عن معرفته.
ومن طرق تكوين روح الاعتزاز بالدين لدى المسلم غرْس محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة الإسلام والأمة الإسلامية في القلوب، وكذلك دعوة المسلمين بالقول الصريح إلى طلب العزة من الله وحده والإعراض عما سواه، وإبراز محاسن أركان الإسلام الأساسية وفضائل هذه الأركان على غيرها في الأديان السماوية، فضلًا عن الأديان الوضعية.
ومن أهم آثار ونتائج تكوين روح الاعتزاز بالدين لدى المسلم ما يلي:
أ- تحقيق العبودية الكاملة لله عز وجل.
ب- اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به.
ج- إخلاص الولاء لله ورسوله وللمؤمنين.
ثانيًا: تحصين وصيانة شخصية المسلم بعد بنائها وتكوينها:
إن من محاسن الدين الإسلامي حفظ وصيانة شخصية المسلم بعد إعدادها وبنائها وتكوينها، وذلك من الانصياع والذوبان والتأثر بالكفار أو الخضوع لهم أو موالاتهم والركون إليهم.
ومن أهم طرق تحصين شخصية المسلم بعد بنائها ما يلي:
1-التمسك بمبدأ الولاء والبراء:
وذلك لوضع الحاجز النفسي بين الطائفتين، الذي يمنع من تسرب الأفكار واختراق العادات والقيم والتقاليد، لأن ذلك أعون على مفاصلة الكفار.
يقول عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ:"أصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجر ونحو ذلك من الأعمال، والولي ضد العدو" [7] .
2-مخالفة الكفار وعدم التشبه بهم في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم وعاداتهم وسائر ما يختصون به.
3-التزام ضوابط وشروط التعامل مع غير المسلمين في حالة السلم:
ومن تلكم الشروط ما يلي:
أ- أن لا يترتب على هذا التعامل مذلة على المسلم ولا على الدين.
ب- أن لا تؤدي إلى ولاية الكافر على المسلم ولا إلى تسلطه عليه.
ج- أن لا تكون فيها موالاة للكافر، ولا تشبه به، ولا ركون إليه، أو نحو ذلك من صور الموالاة.
ثالثًا: تحصين وصيانة ديار الإسلام من نفوذ الكفار:
لم يكتف الإسلام بصيانة شخصية المسلم من التأثر بالكفار عن طريق تطعيمه عقديًا وتعبديًا وأخلاقيًا، وعن طريق رسم المنهج الصحيح لتعامله مع الكفار لمنع تسرُّب أيِّ أثر من آثارهم إليه؛ إذ لا بد أن تتوازى مع عملية صيانة شخصية المسلم عمليةُ صيانة أخرى للبيئة التي يعيش فيها، بمكافحة أسباب انتشار أوبئة الكفر والفسق في هذه البيئة، لذلك اتخذ الإسلام بعض التدابير الواقية، ومنها:
1-منع دخول الكفار إلى بعض الديار الإسلامية وهي حدود الحرمين الشريفين فضلًا عن إقامتهم فيها، كما سمح بدخولهم فقط دون الاستيطان في بعض الديار الأخرى وهي الحجاز، لما لهذه الأماكن من أهمية خاصة في قلوب المؤمنين؛ فهي مهبط الوحي ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم ومنطلق الدعوة الإسلامية، فأولى بأن يمنع الكفار من دخولها والاستيطان فيها، للحفاظ على نقاوتها؛ لتبقى مشاعل النور والهدى للمسلمين كلما داهمتهم دياجير ظلمات التشبه بالكفار.
2-سمح الإسلام بدخول وإقامة الكفار في سائر الديار الإسلامية الأخرى سواء كانت إقامتهم إقامة دائمة مؤبدة كأهل الذمة، أو كانت إقامة مؤقتة كالمستأمنين، وذلك تلبية لمطالب الحياة البشرية القائمة على التعاون وتبادل المنافع، وطبقًا لطبيعة دين الإسلام الدعوية التي تقتضي التغلغل بين الأمم والشعوب الأخرى لإبلاغ دعوة الإسلام إليها.