الشرط الخامس: أن يكون تحصيل الثمن مأمونًا، وذلك كأن يواعده إلى خروج العطاء (15) المأمون، وكذلك إذا واعده إلى نهاية الشهر، وقبض الرواتب وكانت الجهة التي يعمل عندها المشتري مأمونة من عادتها ألا تتأخر في دفع الرواتب.
وهذه الصورة وإن كانت قريبة من السلم، إلا أنهم لم يعدوها سلمًا محضًا، ولهذا أجازوا تأخير رأس المال، ولكن لا بد أن يكون ذلك من دائم العمل كالخباز، أما إن لم يكن من دائم العمل فهي سلم يشترط لها ما يشترط للسلم من شروط، كما أنهم لم يجعلوا لها أحكام شراء الأعيان ولهذا جاز عندهم أن يتأخر قبض جميع المبيع إذا شرع في قبض أوله، وهذا القول هو المذهب عند المالكية (16) .
وهو مذهب الحنابلة في المبيع الموصوف المعيّن، ورواية عند الحنابلة في المبيع الموصوف غير المعيّن (17) .
قال في الشرح الكبير: ( والبيع بالصفة نوعان: أحدهما: بيع عين معينة، مثل أن يقول: بعتك عبدي التركي... ويجوز التفرق قبل قبض ثمنه وقبضه كبيع الحاضر، الثاني: بيع موصوف غير معين، مثل أن يقول بعتك عبدًا تركيًا ثم يستقصي صفات السلم... ولا يجوز التفرق عن مجلس العقد قبل قبض المبيع أو قبض ثمنه... وقال القاضي: يجوز التفرق فيه قبل القبض؛ لأنه بيع حال، فجاز التفرق فيه قبل القبض، كبيع العين) .
أدلة الأقوال:
يستدل لأصحاب القول الأول بالأدلة الدالة على حرمة بيع الدين بالدين.
ومنها: حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ (18) .
ويعترض على هذا الدليل بأنه: لم يصح في هذا الباب حديث.
ومنها: إجماع الأمة على حرمة بيع الدين بالدين، وقد حكى ذلك الإمام أحمد (19) .
ويعترض على هذا الدليل: بأن الإجماع لم يقع على كل صور بيع الدين بالدين بل وقع على بعض الصور دون بعض (20) ، وحينئذٍ فإن التحريم يثبت في الصور التي وقع الاتفاق عليها دون التي وقع الخلاف فيها، وهذه المسألة مما وقع فيه الخلاف فلا يثبت لها التحريم.
وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأنه: يستصحب حكم الإجماع في موضع الخلاف، فإذا كان بيع الدين بالدين ابتداء وقع الإجماع على تحريمه، فإننا نستصحب هذا الحكم في موضع الخلاف.
ولكن يقال في الإجابة عن هذا الإيراد بأن: الصحيح من أقوال الأصوليين أنه لا يصح استصحاب حكم الإجماع في موضع الخلاف؛ لأن موضع الخلاف لم يثبت فيه إجماع، والأصل فيه الجواز، فيستصحب هذا الجواز حتى يأتي دليل يمنع من الجواز، ولا دليل يدلّ على التحريم فيبقى الأصل وهو الجواز (21) .
دليل القول الثاني:
أجاز أصحاب هذا القول هذه الصورة استحسانًا، وإن كان القياس يخالفه واستندوا في هذا الاستحسان على ما كان عليه عمل أهل المدينة، ففي المدونة (22) ،: (.. عن سالم بن عبد الله قال: كنا نبتاع اللحم كذا وكذا رطلًا بدينار، يأخذ كل يوم كذا وكذا، والثمن إلى العطاء، فلم ير أحد ذلك دينًا بدين، ولم يروا بذلك بأسًا) (23) .
الاعتراض على هذا الدليل:
أن هذا الأثر يحمل على أنه في كل مرة يتم الشراء يجب على المشتري ثمن ما يأخذ، ويكون وقت تسليم الثمن عند العطاء، فيكون هناك عقد بينهما في كل مرة يأخذ المشتري من البائع شيئًا، وعلى ذلك لا يكون هناك بيع دين بدين، بل هو عقد متجدد، ويترتب على ذلك أنه لا يلزم أحدًا منهما التمادي على هذا الفعل بل له أن يمتنع متى ما شاء عن هذا البيع (24) .
الإجابة عن هذا الاعتراض:
ما ذكر في الاعتراض خلاف ما يظهر من فعل أهل المدينة، بل الظاهر أنهم كانوا يعقدون العقد ويتسامحون في هذا التأخير للبدلين، ولهذا صرّح سالم أنهم لم يكونوا يرون ذلك من قبيل بيع الدين بالدين.
الترجيح:
الظاهر ـ والله أعلم بالصواب ـ أن الراجح هو قول المالكية؛ لأن النهي عن بيع الكالئ بالكالئ مردّه إلى الإجماع، وأما الحديث فلم يثبت مرفوعًا إلى النبي - صلى لله عليه وسلم - وعلى ذلك فأي صورة يتخلف عنها الإجماع فالأصل فيها الجواز إذا خلت من محظورين:
(1) الربا.
(2) الغرر.
وهذه الصورة لا يوجد فيها ربا ولا غرر، ولم يثبت فيها إجماع، فتبقى على الأصل وهو الإباحة، والله أعلم.
وعلى ذلك فإذا كان عقد التوريد بين تاجر وبين مصنع ينتج سلعة من السلع، وبعد العقد تم توريد هذه السلعة للتاجر وتم الاتفاق على قدر (كمية) السلع الموردة، وتم الاتفاق على موعد سداد الثمن، وكان تحصيل ثمن هذه السلع مأمونًا في الأحوال المعتادة، كأن يكون التاجر صاحب مكانة اقتصادية بحيث يستطيع تصريف هذه السلع وردّ ثمنها، أو كان التاجر يتعامل مع الدولة والدولة لم يعهد عنها جحد لحقوق التجار، أقول إذا توفرت تلك الشروط فما المانع من القول بصحة عقد التوريد؟
في رأيي المتواضع لا يوجد مانع من ذلك، خاصة وأن مصالح الناس متعلقة بهذه العقود، والله أعلم وصلى وسلم على نبينا محمد.
(*) عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية