فهرس الكتاب

الصفحة 16107 من 27345

وهذا عمر بن الخطاب ؛ هذا الرجل الذي كان ذو شدة وغلظة قبل الإسلام، ولما أسلم وتولى أمر المسلمين، وصار أميرًا للمؤمنين تغير، وكان يمشي في الليل ينظر أحوال المسلمين وشئونهم في الليل، فإذا به يرى نارًا من بعيد، فقال لمولاه أسلم: تعال معي نستكشف النار، فإذا به يقرب من النار فيرى عند النار امرأة عجوزًا وعندها أطفال صغار يبكون، وعلى النار قدرٌ ليس فيه إلا الماء، فقال عمر بعد أن سلم: ما شأنكم يا أهل الضوء؟! قالت العجوز: هؤلاء أطفالي وليس في القدر شيء، وضعت النار تحتها أصبرهم حتى يناموا وهم جياع، ليس عندي شيء أطعمهم إياه، ثم قالت المرأة العجوز: والله لئن قدمت على الله لأخاصمن عمر .. ومن الذي أمامها؟ إنه عمر وهي لا تدري، فقال عمر بن الخطاب: وما يدري عنك عمر يا أمة الله؟! أي: ماذا يعلم عنك وأنت في الصحراء؟ فقالت المرأة العجوز: يتولى أمر المؤمنين ولا يدري عني لأخاصمنه عند الله. فذهب عمر وقال لمولاه أسلم: تعال معي، فذهب إلى بيت المال.. فدخل وأخذ كيسًا من دقيق، فحمله على ظهره، فقال مولاه: يا أمير المؤمنين! أحمل عنك، فقال له عمر: أوتحمل عني وزري يوم القيامة؟ يقول أسلم: فذهب إليها، وأخذ يصنع طعامها بنفسه .. حتى صنع طعامهم، وترك الكيس الطحين عندهم، ثم ذهب من بعيد، فقلت له: يا أمير المؤمنين! نرجع قال: لا والله، أجلس حتى أراهم يشبعون كما جاعوا، فجلس ينظر إلى الأطفال وهم يأكلون، يقول: فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان، فإذا بعمر بن الخطاب يبكي لامرأة عجوز جاع أطفالها .. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] .

علي بن أبي طالب ...

سمعتم بعلي بن أبي طالب ، الخليفة الراشد رضي الله عنه .. بعد أن تولى الإمارة صنعوا له قصرًا يسكن فيه ليكون أمير المؤمنين، فلما نظر إليه قال: ما هذا؟ قالوا: قصرك يا أمير المؤمنين. فتولى وهو يقول لهم: قصر الخبال هذا، والله لا أسكنه، قصر الخبال هذا والله لا أسكنه، ورجع إلى بيته القديم.

علي بن أبي طالب يجلس في مصلاه ويقبض بيده على لحيته وهو يبكي ويقول: يا دنيا.. طلقتك ثلاثًا، يا دنيا غري غيري فقد طلقتك ثلاثًا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [فاطر:5] .

ينزل يومًا من الأيام رضي الله عنه إلى السوق، يبيع سيفه بأربعة دراهم، يقول: والله لو كانت عندي أربعة دراهم أشتري بها إزارًا لما بعت سيفي، وهو أمير المؤمنين! حقًا إنه كما قال: يا دنيا طلقتك ثلاثًا، غري غيري لن تستطيعي عليَّ.

من رباهم وعلمهم؟ إنه نبينا عليه الصلاة والسلام، علمهم الشجاعة، علمهم القوة، علمهم الزهد في الدنيا، وعلمهم حب المسلمين، وحب الخير لهم ونشره.

ولا زلنا مع أولئك الرجال في الصدر الأول في زمن الخلافة الراشدة .. في غزوة الأحزاب ينادي علي رضي الله عنه أحد المشركين وهو عمرو بن عبد ود ، هذا الرجل ينادي في الصحابة ويقول: ألا هل من مبارز؟ هل من مبارز؟ وهو فارسٌ من فرسان قريش، قوي شجاع بطل لا يقوى عليه كل العرب، شجعانها وفرسانها، فينادي هذا الفارس البطل المشرك ويقول: هل من مبارز؟ فقال علي وكان عند الرسول، قال: يا رسول الله! أنا أبارزه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا علي ! إنه عمرو ، دعك -أي اصبر- فنادى في الثانية وقال: هل من مبارز؟ فقال علي: يا رسول الله! أنا أبارزه. فقال النبي لعلي: يا علي ! إنه عمرو ، فنادى في الثالثة وقال: ألا هل من مبارز؟ فقال علي: أنا له يا رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اذهب، وكان علي شابًا يافعًا، وعمرو بن عبد ود قد امتلأ بالسلاح والعتاد، ولكنها الشجاعة الإيمانية، إنها البطولة ولكنها تحت ظل رسول الله، ويخرج علي فيقول له عمرو بن عبد ود: من أنت؟ وهو لا يعرفه، فقال: أنا علي بن أبي طالب . قال عمرو بن عبد ود: يا بني! إن في أعمامك من هو أسن منك، فارجع فليأتِ من هو أكبر منك سنًا، وأعلم منك بالحرب، فإني لا أريد قتلك، فقال له علي بن أبي طالب: أما أنا فوالله إني أريد قتلك. قال: ماذا؟ فاشتد الصراع، وثارت المعركة، وثار الغبار، فإذا بعمرو يشق درع علي بن أبي طالب نصفين، ويجرح عليًا جرحًا، ثم يثور الغبار، ولا يعلم أحدٌ ما الذي حدث، وما الذي يجري في الغبار، فإذا بالصحابة في لحظة من اللحظات كلٌ منهم يكبر .. الله أكبر! الله أكبر! فاستبشر رسول الله، وعلم أن الذي انتصر هو علي بن أبي طالب ، فإذا بالغبار يهدأ، وإذا بالمعركة تنتهي، وإذا بعمرو صريعًا في الأرض مضرجًا بالدماء، وعلي بن أبي طالب رافعًا سيفه يرجع إلى صفوف المسلمين، والصحابة يكبرون .. الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!

نعم، إنهم رجال وهي مواقف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت