و في غزوة خيبر يخرج ذلك الذي يسمى مرحبًا ؛ يهودي لكنه شجاعٌ وبطل، فينادي في الصحابة ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطلٌ مجربُ
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
أنا أسد، إذا كنت أنت مرحب فأنا أسد ..
أنا الذي سمتني أمي حيدره
كليث غاباتٍ كريه المنظره
أكيلهم بالسيف كيل السندرة
وتبدأ المعركة، فإذا بعلي بن أبي طالب يقسمه نصفين.
إنهم رجال وهي مواقف: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23] .
صهيب الرومي ...
هل سمعتم بأبي يحيى صهيب الرومي ؟ هذا الصحابي الجليل الذي جمع في مكة مالًا عظيمًا وصار ثريًا، ولما أذن له بالهجرة وأراد أن يهاجر ما تركه كفار قريش، وقالوا له: جمعت أموالنا وتريد أن تخرج بها، والله لا ندعك. فخرج، فتبعه ما يقارب الثلاثين أو الأربعين فارسًا، فقال لهم وهم ينادونه من بعيد ويريدون قتله: والله لا تصلون إلي حتى أضع في كل رجلٍ منكم سهمًا، وكانوا جمعًا كثيرًا لكنه الشجاع البطل، ومعه قوة الإيمان، وشجاعة الإيمان.
الكفار يحبون الحياة ويخافون من الموت، أما المؤمنون فهم ضدهم؛ يتمنون الموت ويريدونه، ولهذا فهم أشجع الناس .. قال: والله لا تصلون إلي حتى أضع في كل رجلٍ سهمًا، ثم أصير بعد إلى السيف فتعلمون أني الرجل، ثم قال: فإن شئتم المال دللتكم على مالي واذهبوا إليه. قالوا: نعم. لا نريد غير مالك. لا يريدون إلا الدنيا وشهواتها، فإذا به يعطيهم كل ما جمعه في هذه السنين، لأجل شيءٍ واحد؛ أن يهاجر إلى رسول الله، وهاجر ولا يملك إلا ما يلبس، كل أمواله ضحى بها لأجل هذا الدين، لأجل هذه العقيدة، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يستقبله وهو قادمٌ إلى المدينة ويقول له: (ربح البيع أبا يحيى ، ربح البيع أبا يحيى ، ربح البيع أبا يحي ) فأنزل الله عز وجل قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة:207] يبيع نفسه وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207] .
بسر بن أرطأة وموقفه مع النصارى ...
هل سمعتم برجل اسمه بسر بن أرطأة ؟ إليكم خبره، وقد لا تصدقون، ولكن هي الحقيقة .. هذا الرجل كان قائدًا على سرية، وكانت السرية في مؤخرة الجيش، وكانت تصاب بالسهام من الأعداء ولا يدري من أين تأتيهم السهام، كلما رجعوا ما وجدوا شيئًا، وتتقدم السرية وكل فترة تصاب بالسهام ولا يدري من أين تأتيهم، فإذا به يقول لأصحابه: تقدموا ودعوني، ويتخلف ويتخفى، ويبحث في الشعاب، وفي الوديان لوحده، فإذا به يرى بين الشعاب كنيسة، وعندها براذين -أي: بغال ضخمة- وخيول، فعلم أنها لفرسان فماذا صنع؟ تخفى، وجاء إلى الباب وفتحه ودخل وهم لا يدرون ولا يشعرون، وأغلق الباب وهو لوحده، وبدأ يصارعهم لوحده، ولم يصلوا إلى رماحهم وسهامهم حتى قتل منهم ثلاثة، فلما وصلوا نشبت بينه وبينهم معركة، وأصحابه كانوا على إثره، كانوا خلفه، علموا أنه سوف يحدث أمرًا فلما علموا أنه دخل وأنه بدأ يقاتلهم دخلوا خلفه، فلما دخلوا وجدوه مثخنًا بالجراح ولم يمت، وكانوا قد شقوا بطنه فوضع يده على الجرح فلم ينزف الدم كثيرًا، فدخل أصحابه وقتلوا من قتلوا، وأسروا من أسروا، فلما أسروا من أسروا قال الأعداء للمسلمين: من هذا؟ قالوا: لم تسألون؟ قالوا: مثل هذا لم تلد النساء، مثل هذا لم تلد النساء، مثل هذا لم تلد النساء!! إنه بشر بن أرطأة .. وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146]
رجال ومواقف مع عبادة الله وخشيته ...
تميم بن أوس الداري ...
فهذا تميم الداري يصلي ليلة كاملة بآية واحدة، يرددها ويبكي، وهي آية: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21] .
إنهم رجال، تجدهم آخر الليل:
عباد ليلٍ إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه
وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ
سفيان الثوري وخشية الله ...
كان سفيان الثوري كثير البكاء .. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله ) فمتى آخر ليلة بكيت فيها من خشية الله، وأنت قائمٌ تصلي، أو تقرأ القرآن، أو رافعٌ يديك تدعو الله، سل نفسك هذا السؤال، سفيان كان كثير البكاء، وكان يقول لما سئل: لم تبكي؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيًا، أخاف أن الله يكون قد كتبني من أهل النار. وهو القائم الصائم، العابد الزاهد، العالم الورع، ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيًا، أن يكون الله قد كتبني من أهل النار.
عتبة الغلام