*خبر عائشة الأول فيه انقطاع ، فإن ابن جريج لم يسمع من عائشة قاله الإمام أحمد وابن حبان وجماعة ( 38) وقال البخاري في التاريخ الكبير (6/23) عبد العزيز بن جريج عن عائشة لا يتابع في الحديث . والراوي عنه خصيف بن عبدالرحمن سيء الحفظ . وضعفه أحمد وابن خزيمة وقال يحيى بن سعيد القطان ( كنا تلك الأيام نجتنب حديث خصيف ) (39 ) .
وأما الحديث الثاني فلا يصح . وتفرد يحيى بن أيوب لا يحتمل . قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله يسأل عن يحيى بن أيوب المصري فقال: كان يحدث من حفظه ، وكان لا بأس به ، وكان كثير الوهم في حفظه فذكرت له من حديثه عن يحيى عن عمرة عن عائشة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر ....الحديث . فقال: ها ، من يحتمل هذا ، وقال مرة: كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا ، وأنكر حديث يحيى خاصة ) ( 40) .
وقال العقيلي (( أما المعوذتين فلا يصح ) )وحينئذٍ لا تشرع قراءتهما بعد الإخلاص لضعف الخبر في هذا فيقرأ المصلي بالوارد من صحيح الأخبار ( سبح اسم ربك الأعلى ) في الأولى وفي الثانية ( قل يا أيها الكافرون ) وفي الثالثة ( قل هو الله أحد ) ولا يزيد على هذا . وبعض أهل العلم لا يرى استحباب تقصد قراءة هذه السور الثلاث (41 ) وفيه نظر . وحديث أبي بن كعب يرده. وقال بعض أهل العلم لا يداوم على قراءة هذه السور في الوتر لأنه يفضي إلى اعتقاد أنها واجبة (42 ) . وفي هذا القول قوة لأنّ المداومة لم تثبت ، وأما التعليل ففيه نظر لأنه ينسحب على جميع السنن ، وهذا غير صحيح .
واعلم أنه يستحب إذا سلم من وتره أن يقول سبحان الملك القدوس ثلاثًا لحديث أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر ....الحديث ) وفيه فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات ) رواه النسائي (43 ) . وفي حديث عبد الرحمن ابن أبزى وهو صحابي صغير ( ويرفع بسبحان الملك القدوس صوته بالثالثة ) . رواه أحمد والنسائي . وزاد الدارقطني ( 44) من حديث أبي ابن كعب ( رب الملائكة والروح ) ولا تصح هذه الزيادة والمحفوظ ما تقدم .
المسألة الخامسة: في القنوت.
القنوت في الوتر لم يثبت فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا من قوله ولا من فعله . قال الإمام أحمد: لا يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء....) ( 45) .
وقال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: ( ولست أحفظ خبرًا ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر ...) (46 ) . غير أنه ثبت عن بعض الصحابة رضى الله عنهم كما قال عطاء حين سئل عن القنوت قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعلونه ( 47) . وجاء عن بعض الصحابة أنه لا يقنت إلاّ في النصف من رمضان . صح هذا عن ابن عمر . رواه أبو بكر بن أبي شيبة (48 ) عن ابن علية عن أيوب عن نافع عن ابن عمر .
وقال الإمام الزهري رحمه الله: ( لا قنوت في السنة كلها إلاّ في النصف الآخر من رمضان ) . رواه عبد الرزاق في المصنف ( 49) ، بسند صحيح . وقال الإمام أبو داود قلت لأحمد: القنوت في الوتر السنة كلها ؟ قال: إن شئت ، قلت: فما تختار ؟ قال: أما أنا فلا أقنت إلاّ في النصف الباقي ، إلاّ أن أصلي خلف الإمام فيقنت فأقنت معه (50 ) .
وذكر ابن وهب عن مالك في القنوت في رمضان أنه قال إنما يكون في النصف الآخر من الشهر (51 ) . وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله ( 52) . وفي وجه عنده يستحب القنوت في الوتر بالسنة كلها وهذه آخر الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله ( 53) . قال النووي رحمه الله: وهذا الوجه قوي في الدليل لحديث الحسن بن علي رضي الله عنهما ( 54) .
أقول: وفي هذا نظر من وجهين:
الوجه الأول: أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في هذا الباب قاله أحمد وغيره ، واستحباب المواظبة على أمر لم يثبت فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه نظر . وقد جاءت أحاديث كثيرة تصف وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في شيء منها أنه قنت في الوتر ، ولاسيما أن هذه الأحاديث من رواية الملازمين له كعائشة رضي الله عنها . فلو كان يقنت كل السنة أو معظمها أو علم أحداًَ هذا لنقل ذلك إلينا .