فهرس الكتاب

الصفحة 16392 من 27345

ويستدلُّ هؤلاء بِنُصوصٍ من العهد القديم وبوقائع تاريخية تُثبِتُ نَظَريَّتَهُم ، فهذا ( أرميا ) يقول: كان أبي آراميًا متجولًا . وهذا ( يونس ) عليه السلام يُبعَثُ إلى ( ترشيش ) وهي بلد غير يهودي ، وهذا ( عيسى ) عليه السلام يُحادِثُ امرأةً سامرية ويطلب منها ماءً ليشرب .

وتغافل هؤلاء عن أنَّ الدعوةَ الخاصةَ بقومٍ - خصوصية التبشير لا الاعتناق - لا يمنع قبولها لمؤمنين مِن أقوام أخرى ، إلاَّ أنها لا تسعُ الخلائقَ كلَّها ، لاقتصارِها على حاجاتِ فئةٍ محدودة ، ولأن جميعَ هذه الدعوات نُسِختْ بدعوة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم .

ومِن العجيب أن يستدلَّ هؤلاء بقول بولس: ( إن المسيحية ليستْ دينًا لليهود فقط ، بل هي دين عالمي ) ، وهم على علم بمن يكون بولس هذا .

أما قصة تحريف هذا الكتاب الكريم فينقلها العلامةُ ابن القيم عن بعض أحبار يهود الراسخين في العلم ممن هداهم الله تعالى إلى الإسلام ، فيقول:"لسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى ، ولا نقول أيضًا أن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها ، بل الحق أولى ما اتُّبِع ، ونحن نذكر حقيقة سبب تبديل التوراة ، فإن علماء القوم وأحبارَهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم لا يعتقد أحد من علمائهم وأحبارهم أنها عينُ التوراة المنزلة على موسى بن عمران البتة ، لأن موسى صان التوراة عن بني إسرائيل ولم يبثُّها فيهم خوفًا من اختلافهم من بعده في تأويل التوراة المؤدي إلى انقسامهم أحزابًا ، وإنما سلَّمها إلى عشيرته أولادِ لاوي ، ودليل ذلك قول التوراة ما هذه ترجمته: ( وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى أئمة بني لاوي ، وكان بنو هارون قضاةَ اليهود وحكامهم ، لأن الإمامة وخدمة القرابين والبيت المقدس كانت فيهم ، ولم يُبدِ موسى لبني إسرائيل من التوراة إلا نصف سورة ، وقال الله لموسى عن هذه السورة: وتكون لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل ولا تُنسى هذه السورة من أفواه أولادهم ) ، وأما بقية التوراة فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمن سواهم ، فالأئمة الهارونيون هم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها ، فقتلهم بختنصر على دم واحد ، وأحرق هيكلهم يوم استولى على بيت المقدس ، ولم تكن التوراة محفوظة على ألسنتهم ، بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلًا من التوراة ، فلما رأى عزير أن القوم قد أُحرق هيكلهم وزالت دولتُهم وتفرق جمعهم ورُفع كتابهم ، جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنةُ ما لفَّق منه هذه التوراة التي بأيديهم - سنة 545 قبل بعثة عيسى عليه السلام - ... وهذا الرجل يُعرف عند اليهود والنصارى بعازر الورَّاق ، ويَظنُّ البعضُ أنه ( الذي مَرَّ على قَريةٍ وَهِي خَاوِيةٌ عَلَى عُروشِها قالَ أنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعدَ مَوتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) البقرة ( 259 ) ، ويقال إنه نبي ولا دليل على هاتين المقدمتين ، ويجب التثبت في ذلك نفيًا وإثباتًا ، فإن كان هذا نبيًا واسمه ( عزير ) فقد وافقَ صاحِبَ التوراة في الاسم".

وحالَ عودةِ ( عزرا ) باليهود من بابل إلى القدس ، وقف اليهود السامريون ضد توراته واتهموه بالتحريف وشاركوا في تحريف توراته - فوق ما فيها - لإثبات التهمة ضده ، وانفصلوا عن اليهود العبرانيين انفصالًا دام حتى الساعة ، واعترفوا بما سمي بالتوراة السامرية ، وأنكروا ما سمي بالتوراة العبرانية ."وفي سنة 285 - 247 قبل الميلاد في عهد ( بطليموس فيلادلفوس ) وفي مدينة الإسكندرية تُرجِمت التوراةُ العبرانية ( الأسفار الخمسة ) إلى اللغة اليونانية على يد سبعين عالم من علماء اليهود ، وقد تعمَّد المترجمون إحداثَ تغيير في بعض معاني آيات لِتَصير الترجمةُ غيرَ معتبرة وغير مقدسة ، وبذلك يرجع الناسُ إلى التوراة العبرانية ، وسمِّيت هذه التوراةُ بالتوراة السبعينية أو اليونانية ، ولما ظهر المسيحُ عليه السلام وقال لأتباعه ما جئتُ لأنقض الناموس ، تمسكوا بالناموس مع الإنجيل ، ولما اعترفَ الرومان بالنصرانية مذهبًا ، اعترفوا بصحة التوراة اليونانية وفَضَّلُوها على غيرها ، فهي مقدسةٌ عند النصارى إلى اليوم كاثوليكًا ( ملكانية ) ، وأرثوذكسًا ( يعاقبة ) ، ثم لما انشقَّ ( مارتن لوثر ) وأتباعُه على الكاثوليك ، رفضوا التوراة اليونانية واعتبروها مُزيَّفة ، ورجعوا إلى العبرانية".

والتوراة السامرية تحوي خمسةَ أسفار ( أسفار موسى ) وهي القسم الأول من مجموع العهد القديم ، وتخلو من الأسفار العبرانية التسعة والثلاثين والتي تضم أسفار الأنبياء ، إذ لا يؤمن السامريون بنبي بعد موسى عليه السلام .

ولكن حتى هذه الأسفار الخمسة التي يقتصر المتشددون عليها في نسبتها إلى موسى عليه السلام تحمل قرائنَ وَهْمِهِم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت