فهرس الكتاب

الصفحة 16525 من 27345

الزكاة هي أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي - في الأصل - واجبة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -، وإجماع أمته، كما قاله ابن قدامة - رحمه الله - في المغني (8) .

ومن الصور المالية المعاصرة: ما يسمى بالأسهم التجارية والأسهم الاستثمارية، والمتمثلة في شركات الأسهم أو الشركات المساهمة، وهي طريقة حديثة في الاستثمار والتجارة جاد بها التقدم العلمي في هذا العصر.

وقد اتفق العلماء المعاصرون على وجوب الزكاة في هذه الأسهم ، إما في أصلها، أو في ريعها . واختلفوا في كيفية زكاتها، وأرجح هذه الأقوال، وأقربها إلى الصواب، هو القول بالتفريق بين المساهمات التجارية فتأخذ حكم زكاة عروض التجارة، وبين المساهمات الاستثمارية ، والتفريق في المساهمات الاستثمارية، بين ما هو زراعي فيأخذ حكم زكاة الخارج من الأرض، وما هو حيواني فيأخذ حكم زكاة الحيوان، وهكذا … وتفصيل ذلك على النحو الآتي:

مالك الأسهم لا يخلو ، إما أن يكون قصده في التملك التجارة بها بيعًا وشراءً وهي ما تسمى بالأسهم التجارية، فيشتريها اليوم ليبيعها غدًا أو بعد غد، طلبًا للربح في تداولها وتقليبها، فهذا تجب الزكاة عليه في جميع ما يملكه من أسهم ، سواء كانت الأسهم زراعية، أم صناعية، أم تجارية، أم حيوانية… الخ، فيزكي أسهمه بحسب قيمتها السوقية ، كل سنة .

وإما أن يكون قصد المالك للأسهم الاستثمار بها، بحيث يستفيد من عائدها السنوي، وهي ما تسمى بالأسهم الاستثمارية، فهو لا يشتري هذه الأسهم بنية بيعها ، وإنما بقصد الاستمرار في تملكها، فهذا يزكي أسهمه بحسب طبيعتها، فإن كانت أسهمًا في شركة زراعية، ومجالها الاستثماري في زراعة الحبوب والثمار، فتخضع لأحكام الزكاة فيما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار مما يكال ويدخر، وإن كانت في شركة حيوانية كتربية الأنعام على سبيل الإنتاج والتسمين ، فتخضع لأحكام زكاة الحيوان ، وإن كانت في شركة تجارية تختص بتداول السلع بيعًا وشراءً كشركات الاستيراد ، فتخضع لأحكام زكاة عروض التجارة ، وإن كانت في شركة صناعية، كشركات الإسمنت والجبس والأدوية ونحوها، فتجب الزكاة في صافي أرباحها ، قياسًا على زكاة ما يعد للكراء . وهذا القول المفصَّل هو الذي تجتمع به أدلة الزكاة ، وبه يرتبط الحكم بمناطه الذي أناط به الشارع وجوب الزكاة، وبه يزول التناقض والاضطراب الذي لحق ببعض الآراء المعاصرة.

وإلى هذا القول ذهب الشيخ عبدالله بن منيع (9) - حفظه الله - وغيرُه.

وفي هذه المسألة أقوالٌ أخرى ، ليس هذا التمهيد محل بسطها (10) .

الفصل الأول

حقيقة الأسهم المتعثرة

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: واقع الأسهم المتعثرة:

في عصرنا الحاضر ، كثرت الشركات المساهمة وانتشرت، وتنوعت أغراضها وتعددت، وأقبل عليها الأغنياء ومتوسطوا الحال ، بل وربما محدودوا الدخل - بأموال حصلوا عليها بطريق القرض أو التقسيط - كل ذلك؛ لأجل تحصيل ما تجود به الأسهم من أرباح، دون مزيد عناء أو مشقة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت شركات أخرى غير مرخصة، وهي ما تسمى بشركات توظيف الأموال، تقوم بتحصيل الأموال من أربابها ، ثم تقوم بتوظيفها - أو تدعي ذلك أحيانًا - في مشاريع عقارية أو غيرها، وربما أغرت الناس بأرباح مرتفعة، ليس لها مثيل في السوق المحلي، فيقبل عليها الناس زرافات ووحدانا، وغالبًا ما يقع تعثر الأسهم في مثل هذا النوع من الشركات، حيث إنها لا تخضع لنظامٍ قانوني ولا محاسبي، فيكثر فيها التلاعب بأموال الناس دون رقيب، فربما تم تحصيل الأموال لغرض المساهمة في عقارٍ ما ، أو لأجل بيع وشراء سلعة ما، ثم يتم توظيفها لهذا الغرض ولأغراض أخرى، بل ربما كان بعض هذه الأموال هدفًا لأسلوب تدوير المال، أو لما يسمى بالتسويق الشبكي (11) ، أو غير ذلك، ولا ينكشف الأمر إلا بعد إيقاف ضخ الأموال المساهمة إلى هذه الشركة، أو بعد تجميدها من الجهة الرسمية، وعند ذلك يظهر العجز ويقع التعثر، ولا يعلم المساهم بمقدار هذا التعثر الذي لحق بماله ، ولا بمدى إمكان الحصول على رأس المال أو لا.

ومن صور التعثر التي يكثر وقوعها في هذا العصر، ما يقوم به مجموعة من أرباب المال، من المساهمة في أرض عقارية - مثلًا - وبعد شراء العقار الخام لغرض المتاجرة فيه، يظهر خصم يدَّعي استحقاقه لهذه الأرض أو لهذا العقار، فتبدأ الخصومة في الجهة المختصة، وربما استمرت سنين عديدة، فتتعثر المساهمة، ولا يتمكن أربابها من استرجاع المال ولا جزء منه ، حتى تنتهي الخصومة ، وهكذا… في مسلسل طويل من الصور.

فإذا تعثرت هذه الأسهم، ولم يتمكن المساهم من استرداد رأس ماله ولا جزءٍ منه، مدة سنة أو أكثر، وكان هذا المال مما تجب فيه الزكاة في الأصل، فإنه يشكل على كثير من المساهمين مدى وجوب الزكاة في هذه الأسهم المتعثرة.

المبحث الثاني

أسباب تعثر الأسهم

مما تقدم، يتبين أن لتعثر الأسهم أسبابًا عديدةً ، منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت