القول الثاني: أنه يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، وهذا هو مذهب المالكية (25) ، وهو قول عمر بن عبدالعزيز ، والحسن، والليث، والأوزاعي (26) .
القول الثالث: أنه لا تجب فيه الزكاة بحال، وهذا هو القول القديم للشافعية (27) ، ورواية عند الحنابلة (28) ، وهو قول قتادة ، وإسحاق ، وأبي ثور (29) .
الأدلة:
أ - استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
(1) ما رواه ابن أبي شيبة (30) ، وأبوعبيد (31) ، عن علي - رضي الله عنه: (أنه سئل عن الرجل يكون له الدين المظنون، أيزكيه؟ فقال: إن كان صادقًا فليزكه لما مضى إذا قبضه) .
(2) ما رواه أبو عبيد (32) ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الدين: (إذا لم ترج أخذه فلا تزكه حتى تأخذه ، فإذا أخذته فزك عنه ما عليه) .
(3) أن الدائن هو المالك الحقيقي للمال، فيجب عليه زكاته كما لو كان المال عند مليء باذل (33) ، وكما لو كان وديعة (34) .
مناقشة أدلة هذا القول:
يجاب عما استدلوا به بما يأتي:
1 -أما أثر علي - رضي الله عنه - فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن هذا القول عن علي - رضي الله عنه - مخالف لعموم النصوص الشرعية ، الدالة على أن الزكاة لا تجب إلا على رب المال - وهو هنا من هو في ملكه - ومنها قوله تعالى:"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا" (35) ولذا قال ابن حزم في المحلى (36) :"إذا خرج الدين عن ملك الذي استقرضه ، فهو معدوم عنده - يعني الدائن - ومن الباطل المتيقن أن يزكي عن لا شيء ، وعما لا يملك، وعن شيء لو سرقه قطعت يده؛ لأنه في ملك غيره"أ.هـ.
الثاني: أنه جاء عن بعض الصحابة قول مخالف لهذا الرأي، حيث روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (ليس في الدين زكاة) (37) يعني: مطلقًا، سواء كان على مليء أو على معسر أو مماطل ، كما حكاه عنها - وعن ابن عمر أيضًا - ابن قدامة في المغني (38) ، وعليه فلا يجب الأخذ بقول علي - رضي الله عنه -.
2 -وأما أثر ابن عباس - رضي الله عنهما - فيجاب عنه بما أجيب به أثر علي - رضي الله عنه - ، وأيضًا فإنه ضعيف، كما في الإرواء (39) .
3 -ويجاب عن القياس على المليء الباذل، وعلى الوديعة، بأنه قياس مع الفارق، فالمال الذي عند الملي، والمال المودع، هو بمنزلة ما في يده (40) ، فيمكنه أخذه والتصرف فيه، وهذا بخلاف الدين الذي عند المعسر والمماطل، فربما يحاول تخليصه منه سنين، ولا يقدر على ذلك، وبهذا يتضح الفرق بين المسألتين.
ب - استدل أصحاب القول الثاني: بأن المال كان في يد الدائن أول الحول، ثم حصل بعد ذلك في يده، فوجب أن لا تسقط الزكاة عن حول واحد (41) .
مناقشة دليل هذا القول:
يجاب عنه بأن هذا المال قد انقطع حوله بانتقاله من يد الدائن إلى يد المدين، فهو كما لو خرج من يده بهبة - أو نحوها - ثم عاد إليه ، فإنه ينقطع حوله - قولًا واحدًا - لخروجه عن ملكه ، فكذا هنا ، وكما لو نقص النصاب أيضًا؛ فالمانع من وجوب الزكاة إذا وُجِد في بعض الحول فإنه يمنع . وأيضًا فإن هذا المال في جميع الأعوام على حالٍ واحد، فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها كسائر الأموال (42) .
ج - استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي:
1 -أن هذا المال الواقع في يد المعسر والمماطل قد خرج من ملك الدائن إلى ملك المدين، ومن شروط وجوب الزكاة: أن يكون المال مملوكًا ملكًا تامًا لصاحبه، وعليه فلا يتوجه القول بوجوب الزكاة عليه.
2 -أن هذا المال غير مقدور على الانتفاع به، فأشبه دين المكاتب (43) .
3 -أن الزكاة إنما تجب في المال النامي أو في المال الذي يمكن تنميته، والدين الذي على المعسر والمماطل غير نامٍ، فلم تجب زكاته، كعروض القُنْية (44) .
الترجيح:
وبعد عرض الأقوال، والأدلة، ومناقشة أدلة القول الأول والثاني، يتبين رجحان القول الثالث وهو عدم وجوب الزكاة في دين المعسر والمماطل ؛ لقوة ما استدلوا به ، ولأن المال إذا خرج من ملك صاحبه فالأصل براءة ذمته من زكاته، فلا يقال بالوجوب إلا بدليل ظاهر، ولا دليل هنا ينقل عن البراءة، وأيضًا فإنه يلزم من القول بالوجوب ، القول بالازدواج في إيجاب الزكاة، بحيث تلزم الدائن والمدين، وهذا لازم باطل؛ لأنه يؤدي إلى إيجاب زكاتين في مالٍ واحد، وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (45) ، وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية (46) ، والله تعالى أعلم .
المطلب الثالث:
التخريج:
مما تقدم يتبين أن هذه الأسهم المتعثرة إذا كانت مرجوة الحصول خلال سنين قليلة، فإنه يكون حكم زكاتها كزكاة الدين الذي على المعسر والمماطل ، وعلى القول الراجح، فإنه إذا انفك التعثر ، وعادت الأسهم إلى أربابها، فإنه يستأنف بها المساهم حولًا، ولا تجب الزكاة فيها لما مضى، والله تعالى أعلم.
المبحث الثاني
التخريج على زكاة المال الضِّمار
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم المال الضِّمار: