ويضع ألبرت شفايتزر يده على نفس المشكلة في كتابه الشهير"فلسفة الحضارة"عندما يقول:"إن الاتساع الرائع في المعارف المادية والقوة لا يكوَِن جوهر الحضارة". و يرى أن الأعمال المبتكرة: عقلية ومادية لا تعطى آثارها الحقيقية إلا إذا استندت الحضارة في بقائها ونمائها إلى استعداد نفسي يكون أخلاقيًا حقًا. وأنه إذا فقد الأساس الأخلاقي تداعت الحضارة حتى لو كانت العوامل العقلية والفنية والمادية تعمل عملها في اتجاهات أخرى . وأنه لن يكون في وسع أحد إنقاذها إلا إذا اكتشف غالبية الناس لأنفسهم معنى أخلاقيًا عميقًا راسخًا عن طريق نظرية أو عقيدة في الكون . وأنه بغير هذه التجربة الروحية العامة لا سبيل إلى المباعدة بين عالمنا وبين الانهيار الذي يغذ السير إليه.
وهو يذهب إلى أنه منذ أن تخلت الحضارة الغربية عن الدين في مشروعها الأساسي للنهضة ثم انصرفت الفلسفة الأوربية المعاصرة عن القيام بدور إيجابي في هذا المجال ، سواء على المستوى العالي من الفلاسفة ، أو على المستوى الشعبي من أتباعهم فإن ( الأفكار الأخلاقية التي تقوم عليها الحضارة تجوس منذ ذلك الوقت أنحاء العالم فقيرة لا مأوى لها ، ولم تتقدم نظرية في الكون لتسندها إلى أساس متين . ) فهل يفهم توماس فريدمان الصحفي الأمريكي فاضح الصيت هذا الكلام ، وأليس الأولى به أن يركبه هم إعادة تأهيل جثته الحضارية التي أفرزته ويا للعجب كيف أفرزته ، أم أنه لا عجب لأن جثتة هكذا تفرز ؟
وهاهو تشارلز فرانكل في كتابه"أزمة الإنسان الحديث"يشير إلى أن كثيرًا من فلاسفة العلم المعاصر مثل مرتيان ونيبور ومانهيم يتحدثون عن ( التقدم الفكري والعلمي ـ وهو أكبر مفخرة لما أتاه الإنسان الحديث ـ على أنه مجرد أحبولة وخداع ، وأن هذا العالم الحديث قد أعطى مكانًا مركزيًا في الحضارة لجزء من الحياة البشرية ، ليس في حقيقته سوى جزء صغير بالنسبة إلى الأجزاء التي تعمل على التقدم الإنساني ، وأن حماسة كوندورسيه ، وجون ستيوارت مل ، للعلم الحديث وإيمانهما بالعلم وأملهما في المستقبل تنبذ ـ الآن ـ على أنها أوهام قوم ، معرفتهم بالطبيعة البشرية مسطحة جدًا ، مثل مفهومهم لإمكانات الحياة البشرية ومعضلاتها . ) فهل يفهم هذا الكلام العم سام ، وأليس هو الأولى بالعمل على إعادة تأهيل الجثة التي أفرزته ، أم أن الفرصة قد أفلتت منه إلى الأبد ؟
ولا يمكن اعتبار ما ظهرت به الصهيومسيحية في الولايات المتحدة وبعض البلاد الأوربية الأخرى رجعة حقيقية إلى الدين أو نوعا من إعادة التأهيل ، فهذا أولا: مالا يمكن تاريخيا أن يكون تعديلا في بنية حضارة و مسيرتها الأساسية وهيكليتها التي عقدت وقامت واستمرت منذ قرون على استبعاد الدين من مشروع النهضة ، تماما كمالا يمكن لحضارة أخروية كالحضارة الإسلامية أن تعدل هيكليتها لتكون على منوال الحضارة الغربية ، محاولة كل منهما عندئذ تصبح انخلاعا من الطبيعة الخاصة بها من جهة وفشلا في الوصول من جهة أخرى .
وهذه الرجعة ثانيا لا قيمة دينية لها وهي لم تربط بالقيم الأساسية للدين ، في العقيدة والأخلاق والقيم الإنسانية والتشريع ، وطالما اقتصرت خارجيا - وهو بيت القصيد - على اختراع العدو (الإسلام ) ، والشحن ضده ، وشن الحروب الاستباقية ضده ، والصراع على النفط والأرض والمال في أرضه ، وطالما ظلت تقتصر داخليا - كما هو الحال - على ما يشبه مذهب الإرجاء:"لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة"، وطالما انحصر دور المسيح - حسب تصورهم - في الغفران للممسوحين مهما ارتكبوا من آثام .