فهرس الكتاب

الصفحة 16675 من 27345

وبغير السلاح النووي ماذا صنعت ـ بالفعل ـ هذه الحضارة ؟ يعلق الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودى على ضحايا الحضارة المعاصرة فيقول في كتابه"ما يعد به الإسلام"ص 37 - 39: ( لقد أطلق مؤرخونا بحق اسم الغزوات البربرية على الأهرامات التي بناها تيمورلنك بسبعمائة ألف جمجمة بعد احتلاله أصفهان ، فماذا نقول عن إبادة ملايين الهنود الحمر في أمريكا على يد الفاتحين الأوربيين أصحاب المدافع ؟ وماذا نقول عن تخريب أفريقيا بانتزاع حوالي عشرين مليونًا من سكانها السود مما يعني أن عدد الضحايا بلغ مائتي مليون إذ كان أسر كل أسير يكلف قتل عشرة أفراد . بل ماذا نقول عن مذابح آسيا وحرب الأفيون ؟ والمجاعات التي فتكت بملايين الهنود بفضل الاستعمار وفرض الضرائب ؟ وماذا نرى في ضحايا الحرب العالمية الأولى والثانية ؟ وماذا نرى في قنبلة هيروشيما ؟ وماذا نرى في حرب فيتنام ؟ وماذا نرى في ضحايا فلسطين ؟( والعراق ) ، وماذا نسمي في عالمنا اليوم النظام العالمي للسيطرة الغربية ، هذا النظام الذي أنفق أربعمائة وخمسين مليارًا من الدولارات على التسلح عام 1980 وتسبب في العام نفسه في موت خمسين مليونًا من البشر في العالم بسبب لعبة المبادلات التجارية ؟ وهكذا ـ يقول جارودى ـ يعتبر الغرب إلى أبد الآبدين أكبر مجرم في التاريخ . ) فهل يفهم دراويش هذه الحضارة هذا الكلام أم هم بحاجة إلى إعادة تأهيل بدلا من حضارتهم ، إن هم بادروا فانسلخوا منها ثم اغتسلوا ؟

ومن غير ممارسة فعلية للقتال: هل كف الرجل الغربي عن ابتداع المناسبات"السعيدة"لاستئصال المسلمين الواقعين تحت سيطرته كالذي حدث في تحويل طائفة من الكازاخستانيين إلى فئران تجربة لقنبلته الذرية الأولى عام 1949 التي فاقت في قوتها التدميرية قتبلة هيروشيما ونجازاكي عشرات المرات ؟

إن المشكلة لا تقبل إعادة التأهيل ،إذ هي ترجع إلى سياق التطور الحضاري للغرب: تقدم هائل في تكنولوجيا الدمار مع تخلف هائل يتزايد بنفس النسبة في القيم والأخلاق ، هنا نمسك بتلابيب المأساة كما يقول دي برولي ، وهي مأساة المآسي التي لا يصلح لها خبير إعادة تأهيل الدعاة في السعودية أو في مصر أو في غيرهما .

هذا الخواء هو ما جعل بعض كبار المسئولين - على سبيل المثال - في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يبدون دهشتهم - وفي بعض الأحيان امتعاضهم - من النقد الموجه إليهم في كذبتهم الكبرى عن أسلحة الدمار الشامل كسبب في احتلالهم العراق ، وجعل أحد المدبرين لهذه الحرب - جون فولفولتز - يستغرب الإلحاح على هذه الفضيحة ، ويصرح في غير استحياء أو لنقل كطفل يكشف عن عورته في براءة منبوذة - بأن هذا السبب كان مطروحا لأجل كسب التأييد لحرب كان يجب أن تقع ، وقد وقعت كما يجب وهذا هو المهم ، وهذا كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة يقول في تصريح له بنشرة الجزيرة 23\6\2003 وهو يرد على سؤال عن هذه الكذبة بصوت مكيافيلي آت من قاع الجحيم: دعونا نستمتع بسقوط صدام ، وهو لا يدري - وربما كان يدري - أنه يحتفي بصعود الرذيلة ، ويخفي سقوط الفضيلة: سقوط جوهر الحضارة ، فلا هو ولا حضارته مما يصلح مع أحدهما إعادة التأهيل بينما هو يتلذذ بعفن الجثة إذ ماذا يعني جسد خلا من الروح ؟ أليس يعني أنه صار جثة ؟

أمثال هؤلاء في خوائهم أشبه بطفل لم يعن أحد بتربيته على قيم غير قيم الغابة ، والنفعية والانتهازية ، وهو الخواء الذي تحدث عنه شفايتزر عن فقدان هذه الحضارة لعقيدة صحيحة في الكون تقوم عليها

حتى في مجال تحرير الرقيق في الولايات المتحدة نجد الخواء ...وفي هذا يقرر أرنولد توينبى - في كتابه"تاريخ البشرية"ترجمة نقولا زيادة \ بيروت -: أن المحرر قانونًا لم يكن أحسن حالًا من مملوك مسلم إذ يقول ( بالنسبة لهذا المملوك فإن استرقاقه الشرعي قد يفتح الطريق أمامه ليصبح سيد عدد من المحررين قانونًا ) . ثم يقول: ( والسود في الولايات المتحدة الذين حرروا قانونًا في سنة 1862 لا يزالون يشعرون إلى الآن - وقد مر على تحريرهم أكثر من قرن - بأن الغالبية البيضاء من مواطنيهم لا تزال تنكر عليهم حقوقهم المدنية الكاملة ، وهم في شعورهم هذا على شيء كثير من الحق ) ج1 ص 24

في مقال للدكتور زكي نجيب محمود - الأهرام 22\11\1988 - عن ملاحظات له أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية خلال العام الجامعي 1953-1954يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت